عادت دانة إلى الكويت في يوليو ومعها شهادة ماجستير وحقيبتان وصندوق كتب دفعت على شحنه أكثر مما ينبغي. في الأسابيع الأولى لم تكن وحدها تقريبا أبدا. عزائم ترحيب في بيت جدتها، وزيارات من الخالات والعمات، وسهرات طويلة مع بنات العم يسألنها عن الطقس هناك فعلا، وهل تعلمت الطبخ. غابت خمس سنوات، وعوضتها العائلة عن كل سنة منها.
ثم جاء سبتمبر، وخفت العزائم، وبدأت وظيفتها الجديدة. وفي مساء خميس فتحت هاتفها لترتب خطة، ثم توقفت. صديقتها الأقرب من أيام المدرسة صار لديها طفلان وبيت مزدحم. وأخرى انتقلت إلى بلد آخر للعمل. ومجموعة الجامعة التي كانت صاخبة يوما صارت في الغالب تهاني أعياد ميلاد. الجميع لطفاء، والجميع مشغولون. كانت دانة في بيتها، محاطة بمن يحبونها، ولا أحد تتصل به لتقترح قهوة بلا موعد.
البيت أيضا تغير
من يدرس في الخارج يستعد لصدمة الرحيل. قليلون يستعدون لصدمة العودة. أثناء غيابك تغيرت أنت: تعلمت أن تطبخ لنفسك، وأن تجلس في قاعة مليئة بوجوه غريبة، وأن تبني أسبوعك من لا شيء. وفي الوقت نفسه تغير البيت من دونك. تزوج الأصدقاء، وغيروا وظائفهم، وكونوا صداقات جديدة، وبنوا أنماط حياة ليس فيها مكان واضح لك.
لم يخطئ أحد. لكن النتيجة شعور غريب بأنك في المنتصف. لست جديدا في المدينة، فلا يفكر أحد في الترحيب بك، ومع ذلك عليك أن تعيد بناء حياتك الاجتماعية كأنك جديد تقريبا. كثير من العائدين من الدراسة يصفون سنتهم الأولى في الكويت بأنها وحدة هادئة، حتى في بيت مليء بالعائلة، ونادرا ما يقولون ذلك بصوت عال، لأنه يبدو جحودا.
ويزيد الأمر صعوبة أن الجميع يسألك السؤال نفسه: «شلون الرجعة؟». والجواب المتوقع دائما «الحمد لله، أحسن شي». وهو صحيح في جانب كبير منه. لكن الجانب الآخر، الشوق إلى إيقاع حياة بنيته بنفسك، وإلى أصدقاء عرفوك وأنت تتعلم الاعتماد على نفسك، نادرا ما يجد من يسمعه. والاعتراف به، ولو لنفسك فقط، هو الخطوة الأولى لمعالجته.
حين تملأ العائلة كل مساء
العودة إلى الكويت تعني أيضا العودة إلى عائلة لها تقويمها الخاص: لقاءات أسبوعية وزيارات ومناسبات، وتوقع غير معلن بأن تحضرها كلها. ومعظم العائدين سعداء بذلك. العائلة نعمة حقيقية، وبعد سنوات من الأكل وحيدا في شقة صغيرة تبدو المائدة المزدحمة رفاهية.
لكن وقت العائلة والصداقة يلبيان حاجتين مختلفتين. العائلة تعرف تاريخك وتحبك في كل الأحوال. والأصدقاء هم من تختارهم، يشاركونك اهتماماتك ويرون النسخة منك التي نضجت أثناء غيابك. وحين يذهب كل مساء فارغ للعائلة، يجوع ذلك الجزء الثاني من الحياة بصمت. والحل ليس الابتعاد عن العائلة، بل حماية موعد أو موعدين صغيرين كل أسبوع للصداقة، والتعامل معهما بجدية أي التزام آخر.
المهارة التي عدت بها
والخبر الجيد هنا: إن كنت درست في الخارج، فأنت تعرف أصلا كيف تكون صداقات من الصفر. فعلتها مرة في مدينة غريبة، وربما بلغة ثانية. في فصلها الدراسي الأول هناك انضمت دانة إلى مجموعة قراءة ونادي جري وجمعية لطلاب الخليج، بدافع الوحدة في الغالب. وبنهاية السنة كان نصف أقرب أصدقائها قد جاؤوا من تلك الأماكن الثلاثة.
كل ما في الأمر أنها نسيت أن الطريقة نفسها تنجح في البلد أيضا. هناك افترضت أن عليها أن تبذل جهدا. وهنا افترضت أن الصداقة موجودة تنتظرها كما كانت حين كانت في الثامنة عشرة. الفرق لم يكن في المدينة، بل في الافتراض.
والطريقة ليست معقدة. قل نعم أكثر مما تميل إليه. انضم إلى شيء يجتمع بانتظام، حتى ترى الوجوه نفسها أسبوعا بعد أسبوع. كن أنت من يقترح الخطة التالية. نجحت هذه الطريقة في مدينة بعيدة بلا عائلة، فمن باب أولى أن تنجح في مدينة تسكن فيها جدتك على بعد عشر دقائق.
أصدقاء الماضي، واحدا واحدا
الصداقات القديمة تستحق الإنقاذ، لكنها نادرا ما تعود عبر لقاء جماعي كبير. التجمعات الكبيرة تعيد النكات القديمة والأدوار القديمة، ويبقى الحديث على السطح. الأفضل أن تبدأ بشخص واحد في كل مرة.
اختارت دانة الصديقة التي كانت الأقرب إليها، واقترحت شيئا يسهل قبوله: قهوة قصيرة صباح يوم عمل، قرب بيت صديقتها، بعد توصيل الأطفال إلى المدرسة. تحدثتا ساعة ونصفا. وتبين أن صديقتها كانت تشعر بشيء مشابه، غارقة في التزامات العائلة، ومشتاقة إلى حديث يخصها وحدها. اتفقتا على اللقاء كل أسبوعين، في الصباح نفسه، في المكان نفسه. والموعد الثابت فعل ما لم تستطع النوايا الطيبة وحدها أن تفعله.
ومن المفيد أن تتقبل أن الصداقة القديمة قد لا تعود بشكلها القديم. كلاكما شخص مختلف الآن. قد تعود أهدأ، أو أصدق، أو قائمة على أشياء جديدة. وهذا ليس خسارة، بل هو الصداقة وقد كبرت معك.
أصدقاء جدد لمن أصبحت عليه
أصدقاء الماضي يعرفون من كنت. والأصدقاء الجدد يتعرفون إلى من أنت الآن، وهذا مهم أيضا. سنوات الغربة تترك فيك عادة اهتمامات وآراء وعادات جديدة قد لا تشاركك فيها دائرتك القديمة. عادت دانة عداءة وقارئة جادة، وهما أمران لم يهتم بهما أحد من صديقات المدرسة.
ومر يوسف بتجربة مشابهة بعد عودته من دراسة الهندسة. هناك كان يلعب كرة القدم كل أحد مع مجموعة مختلطة من طلاب من أنحاء العالم، وكانت المباراة الأسبوعية عمود حياته الاجتماعية. وفي الكويت كان أصدقاؤه القدامى يلعبون أحيانا، حين يرتب أحدهم مباراة، وهذا نادرا ما يحدث. لم يكن يفتقد الكرة بالضبط، بل الانتظام وتنوع الناس. ووجد الاثنين في النهاية في مجموعة لياقة صغيرة تتدرب معا مرتين في الأسبوع وتبقى بعدها لشرب الشاي. وخلال أشهر قليلة صار اثنان من أعضائها ممن يتصل بهم في يوم سيئ.
والبحث عن أشخاص يشاركونك الاهتمامات التي اكتسبتها في الخارج يخفف صعوبة أهدأ: شعورك بأن جزءا من حياتك لم يعد له من تحدثه عنه. مجموعة القراءة تعطي كتبك مكانا تذهب إليه. ومجموعة الجري تعطي صباحاتك سببا. والأصدقاء الجدد الذين عاشوا في الخارج أيضا، وهم كثيرون في الكويت، يفهمون شعور المنتصف دون حاجة إلى شرح.
امنحها سنة
إعادة بناء الدائرة تحتاج إلى وقت، والعودة إلى البيت لا تجعلها أسرع. الصداقة تحتاج إلى تواصل متكرر، والتواصل المتكرر يحتاج إلى أسابيع وأشهر، لا إلى أمسية رائعة واحدة. وجدت دانة أن الأشهر الثلاثة الأولى كانت بطيئة، والثلاثة التالية مليئة بالأمل، وفي مكان ما قرب نهاية السنة الأولى لاحظت أن عطلاتها امتلأت دون أن تضطر إلى كل ذلك الجهد.
ساعدتها أشياء قليلة في الطريق. حافظت على خطة أسبوعية ثابتة واحدة مهما حدث. وتوقفت عن انتظار الدعوات وبدأت هي تدعو. وتركت بعض الصداقات القديمة ترتاح دون شعور بالذنب، ووضعت طاقتها في الصداقات التي تجاوبت. وذكرت نفسها في الأمسيات الهادئة بأن وحدة العودة شائعة جدا، ومؤقتة في الغالب.
وتعلمت أيضا أن تخفف توقعاتها من اللقاء الأول. ليس كل لقاء يجب أن يكون عميقا، ولا كل شخص جديد يجب أن يصبح صديقا مقربا. بعض اللقاءات تبقى لطيفة فقط، وهذا يكفي. ما يصنع الفرق هو أن تستمر في الحضور، لأن الصداقات الحقيقية غالبا تظهر في اللقاء الرابع أو الخامس، لا في الأول.
أين تأتي ترو فريند
العودة إلى البيت لا يفترض أن تعني البدء من الصفر، لكنها أحيانا تعني ذلك. ترو فريند منصة صداقة مجانية، للصداقة وحدها، لمن هم من عمر 18 عاما فأكثر، وهي مفتوحة في مدينة الكويت. ترو، مساعدنا، يتعرف إلى ما تستمتع به، بما في ذلك الاهتمامات التي عدت بها، وإلى أوقات فراغك المعتادة، ثم يعرفك بعدد قليل من الأشخاص المتوافقين القريبين منك، مع الأسباب التي قد تجعلكم تنسجمون. ولا تفتح المحادثة إلا حين يوافق كلاكما، وكل خطة تكون في مكان عام. وتمنحك دوائر مثل قهوة وحديث ومحبو الكتب ورفاق اللياقة مجموعة صغيرة منتظمة من ثلاثة إلى عشرة أشخاص تراهم مرة بعد مرة.
ما زالت دانة تتعشى في بيت جدتها كل أسبوع، ولن تفوت ذلك أبدا. لكن لديها الآن مجموعة قراءة يوم الأربعاء وجري صباح السبت، وبدأت كتب الصندوق الذي شحنته تنتقل من يد إلى يد. وإن كنت قد عدت إلى الكويت وتريد أن تبني دائرة تناسب من أصبحت عليه، فـانضم إلى ترو فريند: لا يستغرق ذلك سوى دقيقة.
لا تكتف بالقراءة
انضم إلى دائرة من الناس في الكويت يحبون ما تحبه. الأعضاء في ترو فريند يمكنهم الانضمام من التطبيق أو اقتراح خطة في أي محادثة.
قهوة وحديثدائرة صداقة لمن يحبون المقاهي والأحاديث الهادئة في الكويت. لقاءات أولى مريحة وقريبة من البيت.
محبو الكتبدائرة صداقة للقراء في الكويت: تحدثوا عن الكتب وتبادلوا الترشيحات وزوروا المكتبات ومحلات الكتب ومعارض الكتاب معا.
رفاق اللياقةدائرة صداقة لمن يريدون رفقة في النادي الرياضي أو الحصص أو التمرين في الهواء الطلق في الكويت، ليصبح الاستمرار أسهل.


