قضى سالم معظم الصيف الماضي يمشي على جهاز المشي. كان قد انتقل من أبها إلى الرياض من أجل وظيفة جديدة، وصار لأمسياته شكل لا يحبه كثيرا: المكتب، ثم السيارة، ثم النادي، ثم الشقة. كان الجهاز يواجه جدارا من الشاشات، وكان يستمع إلى البودكاست حتى لا يفكر في مدى هدوء بقية أسبوعه. كان يعرف زملاءه في العمل ويحبهم، لكنه لم ير أحدا منهم قط خارج المبنى. وفي مساء من أمسيات أكتوبر ذكر زميله فيصل أنه يمشي في وادي حنيفة أغلب أيام الخميس بعد المغرب، وقال عرضا إن على سالم أن يأتي. فوافق سالم، في الغالب لأن الموافقة كانت أسهل من شرح سبب الرفض.
مشيا قرابة ساعة. تحدث فيصل عن مزرعة والده قرب الخرج، وتحدث سالم عن الجبال في بلدته، وتجادلا بود عن كرة القدم. لم يقل أحدهما شيئا لافتا. لكن سالم أدرك في طريق العودة أنه تكلم في تلك الساعة أكثر مما تكلم طوال الأسبوع الذي قبلها، وأن الأمر لم يكلفه أي جهد. وفي الخميس التالي كان هو من أرسل الرسالة.
لماذا يسهل الحديث جنبا إلى جنب
هناك سبب يجعل كثيرا من الصداقات، في كل الثقافات، تبنى ونحن نفعل شيئا إلى جانب شخص، لا ونحن نجلس قبالته. وجها لوجه قد يشبه الحديث مقابلة عمل. كل لحظة صمت تلاحظ، والنظر في العينين يحتاج إلى ضبط، ولا شيء تنظر إليه سوى الآخر. أما جنبا إلى جنب فيخف الضغط. كلاكما ينظر إلى الأمام، إلى الممر والنخيل والضوء على الماء. ويتوقف الصمت عن أن يكون محرجا ويصبح جزءا من المشي نفسه. ومن يجد طاولة المقهى مرهقة يجد نفسه غالبا يتحدث بارتياح بعد عشر دقائق على قدميه.
والمشي يمنح الحديث إيقاعا طبيعيا. منظر، أو عائلة تمر، أو قطة على سور، أو مبنى جديد في الأفق، كلها حاضرة دائما لتفتح خيطا جديدا حين ينتهي القديم. تأتي المواضيع وتذهب دون أن يضطر أحد إلى توجيهها. ولأن المشي سهل التكرار فهو يحل المشكلة الحقيقية في الصداقات الجديدة، وهي ليست اللقاء الأول بل الخامس. المشية لا تحتاج إلى حجز، ولا تكلف شيئا، ويمكن أن تحدث في أي أسبوع. وعبارة «نفس المكان، نفس الوقت، الخميس الجاي؟» من أسهل الدعوات قبولا.
وهناك فائدة ألطف أيضا. أن تمشي مع شخص يعني أن تمشي بإيقاعه. تلاحظ حين يبطئ، وتنتظره عند المعبر، وتعدل خطوتك. إنها طريقة صغيرة وجسدية للانتباه إلى إنسان آخر، وعلى مدى أسابيع قليلة تبني نوعا من الثقة الهادئة يصعب صنعه عبر الشاشة.
وادي حنيفة، العمود الفقري الأخضر للمدينة
إن كان للرياض ممشى عظيم واحد فهو وادي حنيفة. يمتد الوادي على الجانب الغربي من المدينة، وظلت أجزاء منه مهملة لعقود. ثم أعاد برنامج تأهيل طويل نفذته هيئة تطوير المدينة مجاريه الطبيعية، ونظف مياهه، وزرعه بالأشجار، وفاز المشروع بجائزة الآغا خان للعمارة عام 2010. واليوم في الوادي ممرات مشاة طويلة، ومنتزهات، وبحيرات صغيرة، وأماكن ظليلة للجلوس، وفي الأمسيات اللطيفة يمتلئ بالعائلات والعدائين ومجموعات الأصدقاء يمشون ويتحدثون.
ووادي حنيفة جزء أيضا من المسار الرياضي، المشروع الذي يربط غرب المدينة بشرقها بمسارات للمشي والجري وركوب الدراجات والخيل. افتتحت مرحلته الأولى للجمهور في أوائل عام 2025، وشملت مقطعا يزيد على 13 كيلومترا على امتداد الوادي، من سد العلب في الشمال باتجاه طريق جدة في الجنوب، فيه ممرات للمشاة ومسارات للدراجات ومناطق للاستراحة. وهذا يمنح مجموعة المشي خيارات كثيرة: جولة قصيرة سهلة للقاء الأول، ومقاطع أطول للأسابيع التي يرغب فيها الجميع في الذهاب أبعد.
ومن العادات الجيدة لمجموعة جديدة أن تختار نقطة لقاء واحدة وتلتزم بها، حتى لا يضطر أحد إلى البحث عن أحد. احضروا، وامشوا خمسا وأربعين دقيقة أو ساعة، ثم توقفوا لشرب القهوة أو الكرك قبل أن يعود الجميع إلى بيوتهم. واجعلوا موعد المشي حول الصلاة، بعد المغرب أو بعد العشاء، حتى لا يضطر أحد إلى الاختيار. وخذ هاتفك لأكثر من معرفة الطريق: الوادي عند الغروب، والنخيل داكن على صفحة السماء، من أجمل مشاهد المدينة، والمشي بالتصوير يعطي الأشخاص الأهدأ شيئا يفعلونه بأيديهم بينما يدفأ الحديث.
حدائق في قلب المدينة
ليس الجميع يسكن قرب الوادي، والمشية الأسبوعية تنجح أكثر حين لا يضطر أحد إلى القيادة أربعين دقيقة لينضم إليها. والحدائق الكبيرة في المدينة جواب جيد. حديقة الملك عبدالله في الملز، التي افتتحت عام 2013، من أكبر الحدائق العامة في المملكة، فيها ممشى عريض للمشاة وبحيرة ومساحة واسعة للمشي دون التنقل بين الناس. وحديقة السلام، قرب وسط المدينة القديم، مبنية حول بحيرة يحيط بها مسار مشي طوله نحو كيلومتر، مع بساتين نخيل ومسطحات خضراء، وهي من الأماكن المحببة لعائلات الرياض منذ عشرين عاما. وكلتاهما مزدحمة في الأشهر الباردة، وهذا بالضبط ما تريده حين تلتقي أشخاصا لم تعرفهم جيدا بعد.
والحدائق تناسب أيضا اختلاف مستويات النشاط. بعض أفراد المجموعة يريدون مواصلة المشي، وآخرون يكفيهم دورة واحدة ثم الجلوس على مقعد مع دلة قهوة سعودية وبعض التمر. والدوران حول بحيرة يتيح الأمرين معا: يكمل المشاة دورة أخرى، وينتظر الجالسون، ويلتقي الجميع في النقطة نفسها في النهاية. لا أحد يشعر بأنه تخلف، ولا أحد يشعر بأنه معطل.
الممشى في آخر شارعك
أكثر مشي يستهان به في الرياض هو في الغالب الأقرب. صار لكثير من الأحياء ممشى خاص بها، ممر مرصوف فيه إضاءة وأشجار ومقاعد، والأمانة تضيف المزيد ضمن عملها لجعل المدينة أكثر راحة للمشاة. وفي أي مساء لطيف تمتلئ هذه الممرات: كبار في السن يمشون اثنين اثنين، وأمهات مع عربات الأطفال، وشباب في طريقهم إلى البقالة، وجيران يسلمون على جيرانهم.
لمشي الحي ميزة كبيرة على أي وجهة أخرى: إنه قريب إلى درجة أن الاستمرار فيه لا يكاد يحتاج إلى جهد. عشرون دقيقة بعد العمل، أو دورة قبل العشاء، أو مشية صباح السبت قبل أن يبدأ اليوم. ولمن يعملون ساعات طويلة أو لديهم التزامات عائلية، فإن مشية منتظمة على بعد خمس دقائق من البيت أقدر بكثير على الصمود في شهر مزدحم من خطة طموحة في الطرف الآخر من المدينة. ولها طريقتها في تحويل الغرباء إلى معارف. امش في الممر نفسه في الوقت نفسه بضعة أسابيع وستبدأ في تمييز الوجوه، ثم تبادل التحية، ثم التوقف للحديث.
اجعل المشي عادة، وأبقه مريحا
المشيات التي تتحول إلى صداقات تشترك في صفات بسيطة. تحدث في يوم ثابت ووقت ثابت، فلا يحتاج أحد إلى تنظيم شيء جديد كل أسبوع. لها نقطة بداية ونهاية واضحة. تسير بإيقاع أبطأ شخص. وتنتهي بشيء صغير، كقهوة أو عصير، يعطي الناس سببا للبقاء عشر دقائق والاتفاق على الخطة التالية.
ضع الراحة والسلامة في بالك، خاصة مع أشخاص تعرفت عليهم للتو. امشوا في أماكن عامة في أوقات الازدحام، والتزموا بالممرات المضاءة، واذهب وعد بمفردك حتى تستطيع المغادرة متى شئت. المشيات الأولى أسهل ضمن مجموعة صغيرة منها على انفراد، وكثير من النساء يفضلن البدء مع نساء أخريات، ومكان المجموعات المختلطة هو الأماكن العامة المزدحمة. احمل الماء حتى لو بدا المساء باردا، والبس حذاء مريحا، وأخبر أحدا بوجهتك. لا شيء من هذا يفسد مشية جميلة. إنه ببساطة الطريقة التي يلتقي بها الناس العقلاء بشخص جديد.
صار لمشية سالم وفيصل يوم الخميس خمسة أشخاص منتظمين. أحدهم جار لفيصل رآهما وهما ينطلقان فسأل إلى أين يذهبان. وآخر زميل جديد وصل لتوه من جدة، ومثل سالم قبل عام لم يكن يعرف أحدا خارج المكتب بعد. يمشون المقطع نفسه من الوادي، ويتوقفون عند كشك القهوة نفسه، ولديهم نكتة دائمة عمن سيتأخر هذه المرة. ولم يعد سالم إلى جهاز المشي منذ ذلك الخميس الأول.
أين تأتي ترو فريند
ترو فريند منصة صداقة بالدعوة فقط، للصداقة وحدها، لمن هم من عمر 18 عاما فأكثر، وهي مفتوحة الآن في الرياض. ترو، مساعدنا، يتعرف إلى ما تستمتع به، وإلى الجزء الذي تسكنه من المدينة، وإلى أوقات فراغك، ثم يعرفك بعدد قليل من الأشخاص المتوافقين القريبين منك. ولا تفتح المحادثة إلا حين يوافق كلاكما، وكل خطة تكون في مكان عام. وتوجد دوائر مثل المشاة والعدائين والمشي بالتصوير والقهوة والحديث لتمنحك المجموعة الصغيرة نفسها، أسبوعا بعد أسبوع، حول شيء تستمتع به أصلا. وإن بدا لك أن مشية مسائية مع رفقة طيبة هي العادة التي تنقصك، فـاطلب دعوة وسنرسل إليك دعوة شخصية.
لا تكتف بالقراءة
انضم إلى دائرة من الناس في الرياض يحبون ما تحبه. الأعضاء في ترو فريند يمكنهم الانضمام من التطبيق أو اقتراح خطة في أي محادثة.
المشي والجريدائرة صداقة لمن يحبون المشي المسائي والجري المبكر ومسارات الحدائق في الرياض. ابحث عن رفيق دائم يناسب سرعتك.
جولات التصويردائرة صداقة للمصورين من كل المستويات: اكتشفوا أفق الرياض وأحياءها التاريخية وأطراف صحرائها معا.
قهوة وحديثدائرة صداقة لمن يحبون المقاهي والأحاديث الهادئة في الرياض. لقاءات أولى مريحة وقريبة من البيت.



