يعرف يوسف فهد وبدر منذ أيام الجامعة، وظلت أمسياتهم سنوات طويلة تسير على النص نفسه. مقهى في السالمية، والطاولة نفسها في الزاوية، والمواضيع الثلاثة نفسها: العمل والزحام وكرة القدم. لم يكن أحد يشتكي تماما. لكن في يوم خميس من أكتوبر لاحظ يوسف أنه كان يستطيع أن يتوقع الحديث كله قبل أن يجلسوا، وأن بدر، الذي غير عمله قبل فترة قصيرة وبدا تائها بعض الشيء، لم يقل شيئا تقريبا طوال السهرة. كانوا معا، لكنهم لم يكونوا يتحدثون فعلا.
وفي طريق العودة مر بمباني المتاحف المضاءة على شارع الخليج العربي، وتذكر رحلة مدرسية قبل سنوات إلى مكان لم يدخله منذ ذلك الحين. وفي الصباح التالي أرسل إلى المجموعة رسالة شعر بشيء من الحرج وهو يكتبها: «السبت العصر، متحف، ثم قهوة. القهوة علي.» رد فهد بثلاثة وجوه ضاحكة. ورد بدر: «في الحقيقة، نعم.»
تحولت تلك الخطة الصغيرة إلى شيء لم يتوقعه أي منهم: عادة شهرية للذهاب معا والنظر إلى الأشياء. غيرت هذه العادة ما يتحدثون عنه، ومع الوقت غيرت مقدار معرفة كل منهم بالآخر.
لماذا يمنح النظر المشترك الحديث موضوعا
هناك ملاحظة قديمة تقول إن كثيرا من الصداقات بين الرجال تنشأ جنبا إلى جنب لا وجها لوجه: في نزهة، أو في مباراة، أو أثناء إصلاح سيارة. وهي تنطبق كذلك على النساء وعلى مجموعات الأصدقاء المختلطة. حين يجلس شخصان على طاولة واحدة وليس بينهما شيء، يكون على الحديث أن يصنع نفسه بنفسه، وهذا مرهق أحيانا، خصوصا مع شخص جديد أو شخص يمر بفترة هادئة. أما حين يكون أمامكما شيء، لوحة، أو نموذج للمجموعة الشمسية، أو باب خشبي منقوش من قرن آخر، فيخف الضغط. أنت لا تؤدي دورا. أنت تنظر فقط، وتقول ما تلاحظه.
هذه هي الهدية الهادئة التي يقدمها المتحف أو العرض. إنه يمنح المجموعة موضوعا مشتركا لم يأت به أحد من بيته. يتساءل أحدهم بصوت مسموع عن عمر مخطوطة ما. ويعترف آخر بأنه كان يجد العلوم مملة في المدرسة، وأنه مندهش من استمتاعه الآن. ويروي ثالث حكاية عن جده ذكرته بها قطعة معروضة. وبعد ساعة تكون قد عرفت عن أصحابك أكثر مما عرفته في شهر من أحاديث المقهى المعتادة، دون أن يطرح أحد سؤالا شخصيا واحدا.
وهناك فائدة ثانية. التجارب المشتركة تصبح ذكريات مشتركة. بعد بضع زيارات تملك المجموعة مكتبتها الخاصة من اللحظات: الروبوت الذي لوح بيده، والمغني الذي نسي سطرا، والقهوة بعد العرض حين اختلف الجميع حول النهاية. وهذه الذكريات جزء كبير مما يجعلك تشعر أن هذه المجموعة مجموعتك.
متحف للعلوم على شارع الخليج
كانت المحطة الأولى مركز الشيخ عبدالله السالم الثقافي، على شارع الخليج العربي المطل على البحر، في موقع مدرسة عبدالله السالم القديمة. افتتح المركز عام 2018، ويجمع عدة متاحف في مكان واحد، تتناول عالم الطبيعة والديناصورات، والفضاء، والنقل والروبوتات، وجسم الإنسان وعقله، وإسهامات العلماء العرب والمسلمين. يظنه كثيرون مكانا للعائلات مع الأطفال، وهو كذلك، لكن الكبار الذين يزورونه معا يستمتعون به بالقدر نفسه.
ما فاجأ يوسف هو كيف جرى الحديث بسلاسة. فهد مهندس، ولم يكن يستطيع المرور بآلة دون أن يشرحها. أما بدر، الذي كان دائما الهادئ بينهم، فتبين أنه يعرف الكثير عن تاريخ علم الفلك في العالم الإسلامي، وأشرق وجهه بطريقة لم يرها صاحباه منذ شهور. وقفوا أمام عرض عن الأدوات الفلكية القديمة وقتا أطول بكثير مما خطط له أي منهم، وكان بدر هو من تحدث أكثر الوقت.
متحف العلوم مناسب جدا للزيارة الأولى لأنه تفاعلي. فيه أشياء تضغطها وتجربها وتحاول فهمها، وهذا يناسب الأصدقاء الذين لم يعتادوا بعد الوقوف بصمت أمام لوحة. ويناسب أيضا مجموعة مختلطة الأعمار والخلفيات، لأن لدى الجميع تقريبا سؤالا عن كيفية عمل شيء ما.
أمسية في مركز جابر الثقافي
في الشهر الثاني جاء دور فهد في الاختيار، فاختار عرضا في مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، الذي يعرفه كثيرون باسمه المختصر JACC. يقع هو أيضا على شارع الخليج العربي، وقد افتتح عام 2016، وأصبح البيت الرئيسي للفنون الأدائية في البلاد، وتضم مرافقه مسرحا وطنيا ومسرحا للدراما وقاعة للحفلات الموسيقية وسينما ومدرجا مفتوحا. ويسير برنامجه على شكل موسم، وتقويم موسم 2026 إلى 2027 منشور على موقعه، ويجمع بين الموسيقى العربية والمسرح الكويتي والحفلات العالمية وعروض العائلة.
العرض نوع آخر من النظر المشترك. لا يمكنك أن تتحدث أثناءه، وهذا بالضبط ما يجعله مفيدا. لساعة أو ساعتين ينشغل الجميع بالشيء نفسه، ويدخر الحديث نفسه لما بعد. المشي إلى موقف السيارات، ثم القهوة التي تلته، استغرقا وقتا أطول من العرض نفسه. هل نجح ذلك المشهد؟ لماذا ضحك الجمهور هناك؟ وقارن بدر، الذي حضر حفلات في الخارج، القاعة بقاعة زارها في أوروبا. وأدرك يوسف أنه لم يسمع بدر يتحدث عن تلك الرحلة ولو مرة واحدة.
نصيحة عملية من تلك الأمسية: احجزوا معا، واجلسوا معا. اختاروا العرض كمجموعة بدل أن تتركوا الأمر لشخص واحد، فيصبح لكل واحد نصيب صغير في نجاحه. وخططوا للقهوة بعده منذ البداية، كي يكون للأمسية نصف ثان. العرض يمنحكم الموضوع، والقهوة هي المكان الذي تنمو فيه الصداقة.
قطع قديمة وأحاديث جديدة
في الشهر الثالث صار للزيارات جمهور صغير. طلب زميل يوسف أن ينضم، وأحضر فهد أخته وصديقتها، فأصبحت المجموعة ستة أشخاص، مجموعة مختلطة تلتقي كما هي العادة في الأماكن العامة. وكان اختيار ذلك الشهر دار الآثار الإسلامية، المؤسسة الكويتية المعروفة بمجموعتها من فنون العالم الإسلامي. وبينما يجري تأهيل مجمع المتاحف الوطني الذي كانت قاعاتها فيه، تعمل الدار من موقعين: مركز الأمريكاني الثقافي، في مبنى تاريخي كان مستشفى في الماضي، ومركز اليرموك الثقافي.
مركز الأمريكاني مكان مناسب جدا لمجموعة صغيرة. هو هادئ، وقاعاته على مقياس إنساني، وتمتد معروضاته من تراث الجزيرة العربية القديم إلى العمارة الحديثة في الكويت، وهذا ما أطلق نقاشا طويلا وودودا حول المباني التي تتمنى المجموعة أن يحافظ عليها في المدينة. وتنظم دار الآثار الإسلامية أيضا موسما ثقافيا سنويا من المحاضرات والحفلات والفعاليات، وقد وصل إلى دورته الحادية والثلاثين. والمحاضرة صيغة جميلة للأصدقاء: ساعة من الاستماع، تليها أسئلة يمكن أن تواصلوا نقاشها على العشاء.
غيرت القاعات نبرة المجموعة. القطع القديمة تدعو إلى حديث أبطأ. أمام لوحة خط أو بلاطة مزخرفة يتحدث الناس عن الصبر والصنعة وبيوت العائلة والأشياء التي احتفظ بها أجدادهم. ومن نادرا ما يتكلم على طاولة المقهى كثيرا ما يجد ما يقوله عن قطعة واحدة يراها جميلة. هكذا تبدأ مجموعة من المعارف في رؤية بعضها بعضا كأشخاص.
اجعل الثقافة عادة لا مناسبة
لم تنجح خطة يوسف بسبب متحف بعينه، بل بسبب الإيقاع. مرة كل شهر، في عطلة نهاية أسبوع محددة، يختار شخص مختلف المكان، وتتبع الزيارة قهوة دائما. عادة كهذه لا تحتاج إلى تنظيم كثير، وتمنح كل واحد دورا ليشارك ذوقه، وتوفر بهدوء الشيء الذي تعتمد عليه الصداقة أكثر من أي شيء آخر: أن ترى الأشخاص أنفسهم مرة بعد مرة، ومعكم شيء جميل تتحدثون عنه.
وهذه بعض الدروس التي تعلمتها المجموعة في الطريق. اجعلوا الزيارة قصيرة، فساعة أو ساعتان تكفيان، وتوقفوا قبل أن يتعب أحد. لا تحاولوا رؤية كل شيء. اختاروا قاعة واحدة أو موضوعا واحدا وتمهلوا فيه. تأكدوا من مواعيد الزيارة والحجز على موقع كل مكان قبل الذهاب، لأن البرامج والمواعيد تتغير خلال السنة. نوعوا الصيغ: متحف في شهر، وعرض في الشهر التالي، ثم معرض مستقل صغير أو محاضرة بعد ذلك. ودعوا الأعضاء الأهدأ يختارون أيضا. فبعض أجمل الزيارات تأتي من الشخص الذي قال أقل من الجميع.
وقبل كل شيء، اتركوا متسعا للحديث بعد الزيارة. المتحف هو نقطة البداية. أما الصداقة فتبنى على القهوة، وفي المشي إلى السيارة، وفي الرسالة في اليوم التالي التي تقول: «تذكرون ذلك الباب؟ بحثت عنه.»
أين تأتي ترو فريند
ليس لدى الجميع فهد وبدر يراسلونهما ليلة الخميس، وليس كل الأصدقاء القدامى متحمسين للمتاحف. هذه هي الفجوة التي بنيت ترو فريند من أجلها. إنها منصة صداقة بالدعوة فقط، للصداقة وحدها، لمن هم من عمر 18 عاما فأكثر، وهي مفتوحة في مدينة الكويت. ترو، مساعدنا، يتعرف إلى ما تستمتع به وإلى أوقات فراغك المعتادة، ثم يعرفك بعدد قليل من الأشخاص المتوافقين القريبين منك، مع الأسباب التي قد تجعلكم تنسجمون. ولا تفتح المحادثة إلا حين يوافق كلاكما، وكل خطة تكون في مكان عام. وتمنحك دائرة الفن والثقافة مجموعة صغيرة منتظمة من ثلاثة إلى عشرة أشخاص يفضلون قضاء عصر السبت في معرض فني على التصفح في البيت.
أما يوسف، فما زال يلتقي فهد وبدر في المقهى نفسه في السالمية. وما زالوا يتحدثون عن الزحام. لكنهم صاروا يتحدثون أيضا عن الزيارة القادمة، وعمن جاء دوره في الاختيار. وقد اختار بدر مرتين. وإن بدت لك زيارة شهرية إلى مكان مثير للاهتمام، مع بضعة أشخاص طيبين، عادة تناسبك، فـاطلب دعوة وسنرسل إليك دعوة شخصية.
لا تكتف بالقراءة
انضم إلى دائرة من الناس في الكويت يحبون ما تحبه. الأعضاء في ترو فريند يمكنهم الانضمام من التطبيق أو اقتراح خطة في أي محادثة.
الفن والثقافةدائرة صداقة للمعارض الفنية والمتاحف والسينما والمسرح والموسيقى الحية في الكويت. ابحث عن أشخاص تحضر معهم العروض والمعارض.
قهوة وحديثدائرة صداقة لمن يحبون المقاهي والأحاديث الهادئة في الكويت. لقاءات أولى مريحة وقريبة من البيت.
جولات التصويردائرة صداقة للمصورين من كل المستويات: اكتشفوا أفق الكويت وواجهتها البحرية وسوقها القديم معا.


