عاشت نورة في الكويت ست سنوات، وزارت من المقاهي أكثر مما تستطيع عده. أعياد ميلاد الزميلات، واجتماعات العمل السريعة، واستراحة بين مشاوير السالمية. لكنها لم تدخل مقهى يوما لتلتقي أشخاصا لا تعرفهم. وحين اقترحت عليها صديقة صديقتها قهوة عصر الخميس مع سيدتين تحبان القراءة مثلها، كادت ترفض. لا بسبب السيدتين، بل بسبب المقهى. تذكرت آخر مرة حاولت فيها أن تجري حديثا حقيقيا في مكان عصري: موسيقى عالية حتى صارت تومئ برأسها لكلام لم تسمعه، وطاولة صغيرة تتصادم عليها فناجينها مع فناجين جارتها، وطابور يجعل الجميع يشعر أنه يعطل أحدا.
ذهبت رغم ذلك، وكان اللقاء جميلا. ليس لأن الثلاث تجمعهن أشياء كثيرة على الورق، بل لأن أحدا اختار المكان بعناية. ركن فيه مقاعد وثيرة، ونافذة تطل على الشارع، وطاولة تتسع لثلاثة فناجين وصحن تمر. مرت ساعتان دون أن تنظر واحدة منهن إلى هاتفها. خرجت نورة وفي بالها فكرة يمكن لكثيرين في الكويت أن يقولوها: المقاهي في المدينة كثيرة، لكن المقهى الذي تستطيع فيه مجموعة صغيرة أن تتحدث حقا شيء مختلف، ويستحق أن نعرف كيف نميزه.
بلد يجتمع حول القهوة
لم تكن القهوة في الكويت مشروبا فحسب. القهوة العربية بنكهة الهيل، التي تصب في فناجين صغيرة، تأتي مع التمر ومع آداب قليلة يتعلمها الجميع مبكرا: تتناول الفنجان بيدك اليمنى، ولك أن تطلب غيره، وتهز الفنجان برفق حين تكتفي. إنها الضيافة وقد صارت مرئية. لا أحد يستعجلك، والمضيف لا يسألك عن سبب مجيئك.
والديوانية هي الفكرة نفسها على نطاق أوسع. فمنذ أجيال يجتمع الكويتيون في غرفة مخصصة للضيوف، يأتي إليها الأصدقاء والجيران والأقارب ويذهبون على امتداد المساء، ويتحدثون في كل شيء من الأخبار إلى كرة القدم إلى شؤون العائلة، ولا يحتاج أحد إلى دعوة رسمية. علمتنا الديوانية شيئا تنساه حياة المدن غالبا: تنمو الصداقة حين يوجد مكان ثابت وموعد ثابت وباب مفتوح.
كثير ممن يصلون إلى الكويت اليوم، سواء جاؤوا من القاهرة أو مانيلا أو بيروت أو مومباي، أو من بيت عائلة كويتية أخرى في طرف المدينة، لا توجد أمامهم ديوانية يدخلونها. لكن توجد المقاهي. والكويت بنت منها الكثير.
ازدهار المقاهي المختصة
في السنوات الأخيرة أصبحت القهوة المختصة جزءا حقيقيا من الطريقة التي تقضي بها الكويت وقتها. ظهرت محامص ومقاه صغيرة في أماكن غير متوقعة، منها شوارع الشويخ الصناعية، حيث تحولت ورش ومخازن قديمة بسقوفها العالية وأرضياتها الإسمنتية إلى مقاه فيها ماكينات الإسبريسو وطاولات طويلة مشتركة. وللسالمية شوارعها المزدحمة وأمسياتها المتأخرة. ولمدينة الكويت زواياها الأقدم والأهدأ قرب الواجهة البحرية والأسواق، حيث ما زالت القهوة استراحة وليست حدثا.
التنوع هو الخبر الجيد. تجد مقهى يناسب كل مزاج تقريبا: مكانا مشرقا تملؤه الشمس في العاشرة صباحا، وغرفة تحيط بها الكتب ليوم سبت ماطر، وسطحا لأمسية شتوية منعشة. والتنوع هو الفخ أيضا. فكثير من هذه الأماكن صمم ليصور ويدور زبائنه بسرعة، لا ليستضيف حديثا قد يطول ساعتين. حسن الاختيار مهارة، وبضعة أسئلة بسيطة تساعد.
ما الذي يجعل المقهى مناسبا للقاء الأول
اللقاء الأول بين أشخاص لا يعرفون بعضهم أمر دقيق. الجميع متوتر قليلا، والجميع مهذب، والمكان يقوم بنصف العمل في جعل اللقاء سهلا أو صعبا. هذه الأشياء ننظر إليها أولا.
الضجيج يأتي قبل كل شيء. إذا اضطررت إلى الانحناء وإعادة كلامك فستتعب بعد عشرين دقيقة وسيبقى الحديث على السطح. ادخل وقف ساكنا عشر ثوان واستمع. همهمة لطيفة لا بأس بها. أما الموسيقى العالية أو القاعة ذات الأسطح الصلبة التي تردد الصدى فلا. وفترة منتصف النهار في يوم عادي أهدأ في الغالب من أي مساء.
والجلوس يكاد يكون بالأهمية نفسها. الطاولات الصغيرة المستديرة تناسب اثنين. أما مجموعة من أربعة إلى ستة فتحتاج إلى طاولة يرى فيها كل واحد الآخرين، أو إلى ركن فيه أرائك مرتبة على شكل مربع مفتوح. تجنب الأماكن التي ليس فيها سوى بار طويل يواجه الجدار، لأن أحدا لا يستطيع أن يكلم جاره دون أن يدير رأسه جانبا، ويضيع من يجلس في الطرف.
المسافة هي الثالثة. اختر مكانا يسهل على الجميع الوصول إليه دون قيادة طويلة في الزحام، وبمواقف لا تصبح الموضوع الرئيسي للأمسية. وفي الكويت، حيث يقود الجميع تقريبا، يكون المقهى الأقرب بعشر دقائق إلى منتصف المجموعة أنجح.
أما ضوء النهار فهو العامل الهادئ. اللقاء الأول أسهل مع وجود النوافذ. الضوء الطبيعي يجعل الناس يبدون مرتاحين وأقل شعورا بأنهم تحت المراقبة، ويجعل المكان مفتوحا، ويضع حدا لطيفا للأمسية. ننصح المجموعات التي تلتقي للمرة الأولى أن تختار موعدا نهاريا أو في بداية المساء، في مكان عام فيه ناس آخرون، وأن تخبر أحدا بوجهتها. هكذا يلتقي الناس الحكماء بمن لم يلتقوهم من قبل.
إيقاع المساء في الكويت
يمتد يوم الكويت الاجتماعي إلى وقت أبعد مما يتوقعه كثير من الزوار. حر الصيف يدفع كل شيء إلى المساء، وحتى في الشهور الأبرد يتناول كثيرون طعامهم ويجتمعون بعد العمل وبعد الصلاة. وقد يكون المقهى خاليا في الرابعة وممتلئا في التاسعة. وهذا يؤثر في الخطة.
في اللقاء الأول يكون الموعد المبكر أرحم عادة. قهوة آخر النهار تترك مجالا لأن تبقى المجموعة لجولة ثانية إن سار الحديث جيدا، أو تنصرف بعذر سهل إن لم يسر. وتناسب الأمسيات اللقاء الثاني والثالث، حين يعرف الناس بعضهم ويصبح إيقاع الجلسة الأطول طبيعيا. وإذا كانت المجموعة تعمل أو تدرس خلال الأسبوع فإن عصر الجمعة والسبت هو الوقت الحر التقليدي، لكن أفضل موعد هو ببساطة الذي تستطيع غالبية المجموعة الالتزام به أسبوعا بعد أسبوع.
لماذا تنجح المجموعات الصغيرة أكثر من الثنائيات
يظن كثيرون أن أسهل طريقة للتعرف إلى أحد هي اللقاء وجها لوجه. لكن الطاولة التي تضم من ثلاثة إلى ستة أسهل في الواقع. يوجد دائما من تلتفت إليه حين ينفد الحديث مع شخص. والعضو الخجول يستطيع أن يستمع قليلا دون أن يشعر أن الصمت ذنبه. والموضوع الذي لا يهم الجميع يمر بطبيعته، لأن غيرك سيفتح موضوعا آخر. والمجموعة أقل حدة من الثنائي، وهذا يناسب الصداقة التي لا يكون هدفها أن تبهر أحدا، بل أن تعرف هل تحبون قضاء الوقت معا.
هذا هو شكل الدائرة في ترو فريند: مجموعة صغيرة، من 3 إلى 10 أشخاص عادة، تلتقي في مكان عام حول شيء يستمتعون به أصلا. ودائرة القهوة والحديث هي أبسط أشكالها، إذ لا تحتاج إلا إلى طاولة وعصر فارغ. لكن المقهى نفسه يصلح للقاء محبي الكتب، أو أمسية ألعاب الطاولة، أو مجموعة من مستكشفي الطعام يقارنون أين يأكلون بعد ذلك. النشاط يعطي الحديث موضوعه الأول، والطاولة تتولى الباقي.
قائمة صغيرة للطاولة
احضر مبكرا قليلا، حتى لا تدخل على مجموعة جالسة أصلا. اطلب شيئا بسيطا. ضع الهواتف مقلوبة على الطاولة. اسأل عن أسبوع الشخص قبل أن تسأل عن عمله. اقبل أن يكون الصمت صمتا. وحين يسير اللقاء جيدا، حدد يوما ومكانا للقاء التالي قبل أن تغادر، لأن اللقاء الثاني هو الذي تتحول فيه المعرفة إلى صداقة.
تحولت قهوة نورة يوم الخميس إلى عادة. والسيدات الثلاث الآن يتنقلن بين المقاهي ويتناوبن على الاختيار، ولديهن قاعدة ثابتة: لا أحد يختار مكانا لا يسمعن فيه بعضهن. قاعدة جيدة، وفي الكويت، بمقاهيها وتقاليدها العريقة في الاجتماع حول الفنجان، أماكن كثيرة تحققها.
أين تأتي ترو فريند
ترو فريند منصة صداقة بالدعوة فقط، للصداقة وحدها، لمن هم من عمر 18 عاما فأكثر، وهي مفتوحة الآن في مدينة الكويت. ترو، مساعدنا، يتعرف إلى ما تستمتع به وإلى أوقات فراغك، ويعرفك بعدد قليل من الأشخاص المتوافقين القريبين منك، ويساعد في تحويل التعارف إلى خطة في مكان عام. ولا تفتح المحادثة إلا حين يوافق كلاكما. وإن بدا لك أن مقهى جيدا وبضعة أشخاص طيبين هو أسبوعك المثالي، فـاطلب دعوة وسنرسل إليك دعوة شخصية.
لا تكتف بالقراءة
انضم إلى دائرة من الناس في الكويت يحبون ما تحبه. الأعضاء في ترو فريند يمكنهم الانضمام من التطبيق أو اقتراح خطة في أي محادثة.
قهوة وحديثدائرة صداقة لمن يحبون المقاهي والأحاديث الهادئة في الكويت. لقاءات أولى مريحة وقريبة من البيت.
مستكشفو الطعامدائرة صداقة لمن يحبون تجربة المطاعم الجديدة والأطباق الكويتية التقليدية وأطعمة العالم في الكويت.
محبو الكتبدائرة صداقة للقراء في الكويت: تحدثوا عن الكتب وتبادلوا الترشيحات وزوروا المكتبات ومحلات الكتب ومعارض الكتاب معا.
ألعاب الطاولة والمسابقاتدائرة صداقة لألعاب الطاولة والورق وأمسيات المسابقات في الكويت. تعرف على أشخاص لمنافسة ودية وحديث سهل.



