يوسف في السادسة والثلاثين، يعمل في شركة بمدينة الكويت، وأسبوعه يسير كساعة مضبوطة. من الأحد إلى الخميس للعمل والزحام وواجبات الأولاد على طاولة المطبخ. والجمعة لبيت أهله، حيث ما زالت والدته تطبخ للجميع، ويصل أبناء العم سيارة بعد سيارة حتى يمتلئ المجلس. والسبت لأهل زوجته وأنشطة الأولاد والمشاوير التي لم تجد لها مكانا في غيره. ولن يغير من ذلك شيئا. فهو يحب أيام الجمعة هذه.
ومع ذلك، في إحدى أمسيات أكتوبر، كان يتصفح هاتفه باحثا عن شخص يشاركه خبرا، فأدرك أن الأصدقاء الذين كان يراهم كل أسبوع أيام الجامعة صاروا أسماء في مجموعة محادثة لا يتبادل فيها أحد إلا تهاني العيد. لم يختلف أحد مع أحد. ولم يخطئ أحد. كل ما في الأمر أن الأسابيع امتلأت بأشياء طيبة، فانسلت الصداقة من التقويم بهدوء. سأل نفسه: «متى آخر مرة جلست مع فهد؟» ولم يستطع أن يتذكر.
إن بدا لك هذا مألوفا فأنت في صحبة كثيرين. ففي الكويت ليست العائلة نشاطا جانبيا يدور حول الحياة الاجتماعية. بل هي عند كثيرين، كويتيين ومقيمين، الحياة الاجتماعية نفسها، وعطلة نهاية الأسبوع هي بيتها. هذا المقال لا يدعوك إلى الابتعاد عن ذلك. إنه عن الإبقاء على مكان صغير ثابت للأصدقاء إلى جانبه، بلا شعور بالذنب، ودون أن تأخذ وقتا يخص من تحبهم.
لماذا تنسل الصداقة دون أن ينتبه أحد
نادرا ما تنتهي الصداقة بخلاف. الأغلب أنها تذبل لأن الظروف التي كانت تمسكها تختفي. في المدرسة والجامعة كنت ترى الأشخاص أنفسهم كل يوم تقريبا دون أن ترتب شيئا. ثم جاء العمل والزواج والأولاد ورعاية الوالدين، وكل منها أمر نبيل، وكل منها يأخذ حصة من الأسبوع. الأصدقاء ما زالوا موجودين. أما اللقاء المتكرر فلم يعد كذلك.
وهذا اللقاء المتكرر هو ما تقوم عليه الصداقة. فالباحثون الذين يدرسون الصداقة يعودون دائما إلى نتيجة بسيطة: القرب ينمو من الوقت الذي نقضيه معا بانتظام على مدى أشهر، لا من أمسية واحدة لا تنسى.
والسبب الثاني أهدأ. حين تمتلئ عطلتك بالعائلة قد تشعر بشيء من الأنانية إن أردت شيئا لنفسك وحدك. كثيرون، والأمهات خصوصا، يضعون صداقاتهم في آخر القائمة ويفترضون أنهم سيعودون إليها «حين تهدأ الأمور». والواقع أن الأمور نادرا ما تهدأ من تلقاء نفسها. يكبر الأولاد، لكن مسؤوليات جديدة تصل. وانتظار الوقت المثالي يعني في الغالب انتظارا طويلا.
وقت العائلة ليس هو العقبة
من السهل أن نصور الأمر على أنه صراع بين العائلة والأصدقاء، لكن هذه نظرة خاطئة. فغداء الجمعة في بيت العائلة من أجمل ما في الحياة بالكويت. يمنح الأطفال أجدادهم، ويبقي أبناء العم قريبين، ويعلم الجميع أن الناس أهم من الخطط. وكل من جلس على غداء جمعة طويل، يتبعه الشاي وحكايات الكبار، يعرف أن شيئا مهما يبقى حيا هناك.
فالهدف إذن ليس أن تسترد وقتا من العائلة. بل أن تلاحظ أن في الأسبوع ساعات أخرى، كثيرا ما تضيع في تصفح الهاتف أو الجلوس في الزحام، وأن تمنح بعضها للصداقة عن قصد. الأصدقاء لا يحتاجون عطلتك كلها. يحتاجون موعدا صغيرا منتظما يعتمد عليه كلاكما. نصف ساعة كل ثلاثاء تصنع للصداقة أكثر مما تصنعه خطة كبيرة تؤجل مرة بعد مرة.
ويفيد أيضا أن تتحدث عن الأمر في البيت. ضحكت مريم، زوجة يوسف، حين قالها أخيرا بصوت عال، لأنها كانت تشعر بالشيء نفسه. فصديقات المدرسة ابتعدن عنها بالطريقة ذاتها. وحين اتفقا معا على أن يحمي كل منهما وقتا صغيرا واحدا في الأسبوع، وأن ينوب كل منهما عن الآخر عند الحاجة، تحول ما كان يمكن أن يسبب توترا إلى مشروع مشترك.
أين تجد أوقات منتصف الأسبوع
لكل بيت ظروفه، لكن أغلب الأسابيع في الكويت فيها فجوات طبيعية لمن يبحث عنها. وهذه ثلاث منها تنجح في العادة أكثر من غيرها.
الصباح الباكر. قبل توصيل المدارس والذهاب إلى الدوام تكون المدينة هادئة، ومن الخريف فصاعدا يكون الهواء لطيفا. نزهة مبكرة على طريق الخليج أو بضع لفات في حديقة الشهيد مع صديق أو اثنين لا تكلف من وقت العائلة شيئا تقريبا، لأن أغلب أهل البيت ما زالوا نائمين. وهي تمنحك ما هو أفضل من قهوة مستعجلة: حديثا جنبا إلى جنب، وكثيرون، والرجال خصوصا، يجدونه أسهل من الحديث وجها لوجه.
غداء العمل. إن كنت تعمل أنت وصديقك في الجهة نفسها من المدينة فالغداء وقت جاهز لا يمس الأمسيات أبدا. لا يلزم أن يكون طويلا ولا مكلفا. غداء ثابت كل أربعاء بعد أربعاء، في مكان قريب من مكتبيكما، يبقي الصداقة على تواصل منتظم في أكثر سنوات العمر انشغالا.
الحلقة المسائية في منتصف الأسبوع. الكويت تعرف أصلا قيمة اللقاء المنتظم. فقد أبقت الديوانية صداقات الرجال حية أجيالا، لأنها تحديدا تقام في الوقت نفسه مع الأشخاص أنفسهم. والمبدأ نفسه يصلح لأي أحد، نساء ورجالا، في صورة تناسب الحياة الحديثة: مجموعة صغيرة تلتقي مثلا مساء الاثنين أو الثلاثاء، في مقهى أو مكان عام، ساعة أو ساعتين بعد أن يبدأ روتين نوم الأولاد. وأمسيات منتصف الأسبوع كثيرا ما تكون أكثر فراغا مما يتوقع الناس، لأن الزيارات العائلية والمشاوير الكبيرة تؤجل عادة إلى العطلة.
والسر في الثلاثة واحد: اجعله منتظما واجعله محددا. عبارة «نلتقي يوما ما» قلما تتحقق. أما «الثلاثاء، السادسة والنصف، المقهى المعتاد» فتتحقق. وحين يثبت الموعد لا يحتاج أحد إلى تنظيم شيء، وتحدث الصداقة ببساطة.
أدخل الأصدقاء في خطط العائلة
الطريقة الثانية أن تكف عن معاملة الأصدقاء والعائلة كعالمين منفصلين. ففي الثقافة الخليجية الكرم جزء من طبيعة الناس، وكثير من العائلات يسعدها أن ترحب بصديق في خطة كانت ستحدث على أي حال.
فكر في أنشطة السبت التي تقوم بها أصلا. إن كان لدى الأولاد تمرين كرة قدم أو درس سباحة، فقد يكون على المقعد المجاور أب أو أم سئم الجلوس وحيدا مثلك. صباح في الحديقة، أو زيارة إلى متحف أو مركز ثقافي، أو نزهة على الواجهة البحرية في الأشهر الألطف: يمكن لأي منها أن يضم عائلة صديق دون أن يصبح عبئا على أحد. يلعب الأطفال، ويتحدث الكبار، ويعود الجميع إلى بيوتهم وقد قضوا اليوم معا.
ولهذا آداب لطيفة. فلكل عائلة عاداتها في من ينضم إلى أي اجتماع، ومن الجميل احترامها. والخطط المشتركة بين العائلات تنجح عادة أكثر في الأماكن العامة، كالحدائق والمقاهي والمجمعات التجارية، حيث يرتاح الجميع. أما دعوة صديق إلى بيت العائلة فخطوة مختلفة وأكثر خصوصية، والأفضل أن تأتي حين يكون الطرفان مستعدين. ولا ينبغي أن يشعر أحد بأنه مدفوع إليها.
وللمقيمين الذين تعيش عائلاتهم بعيدا، يعمل هذا في الاتجاه الآخر أيضا. فزميل يقضي العيد أو عطلة طويلة وحده قد يتأثر كثيرا إن دعي إلى نزهة عائلية. ودعوة واحدة كهذه قد تكون بداية صداقة تدوم سنوات.
ماذا فعل يوسف بعد ذلك
لم يعلن يوسف عن لقاء كبير يجمع الشلة القديمة. أرسل إلى فهد رسالة بسيطة: «سأمشي في حديقة الشهيد صباح الثلاثاء قبل الدوام. تجي معي؟» وتبين أن فهد أب لثلاثة أولاد ويعاني المشكلة نفسها تماما، فقال نعم. كانت النزهة الأولى محرجة قليلا. والثانية أسهل. وبحلول الرابعة كان زميل دراسة قديم قد انضم إليهما، وصارت النزهة أكثر جزء ينتظره يوسف في أسبوعه.
وبعد شهر دعا عائلة فهد لتنضم إلى عائلته يوم سبت في الحديقة، فانطلق الأطفال يلعبون معا بينما تحدث الكبار. أيام الجمعة لم تتغير. ما زالت والدته تطبخ، وما زال أبناء العم يصلون سيارة بعد سيارة، وما زال لا يفوتها لشيء. لكن صار في الأسبوع مكان صغير ثابت يعيش فيه أصدقاؤه أيضا.
أين تأتي ترو فريند
ترو فريند منصة صداقة بالدعوة فقط، للصداقة وحدها، لمن هم من عمر 18 عاما فأكثر، وهي مفتوحة الآن في مدينة الكويت. ترو، مساعدنا، يسألك متى تكون متفرغا فعلا، فإن كانت أوقاتك الوحيدة صباحا مبكرا في أيام الأسبوع أو مساء الثلاثاء، فحولها يرتب الخطط. يعرفك بعدد قليل من الأشخاص المتوافقين القريبين منك، ولا تفتح المحادثة إلا حين يوافق كلاكما، وكل خطة تقام في مكان عام. وتوجد دوائر مثل المشاة والعدائين والقهوة والحديث ومستكشفي الطعام لتمنحك مجموعة صغيرة منتظمة من ثلاثة إلى عشرة أشخاص تدور حول العائلة لا بدلا منها. وإن بدا لك أن موعدا ثابتا للصداقة هو ما ينقص أسبوعك، فـاطلب دعوة وسنرسل إليك دعوة شخصية.
لا تكتف بالقراءة
انضم إلى دائرة من الناس في الكويت يحبون ما تحبه. الأعضاء في ترو فريند يمكنهم الانضمام من التطبيق أو اقتراح خطة في أي محادثة.
المشي والجريدائرة صداقة لمن يحبون المشي المسائي والجري المبكر ومسارات الحدائق والواجهة البحرية في الكويت. ابحث عن رفيق دائم يناسب سرعتك.
قهوة وحديثدائرة صداقة لمن يحبون المقاهي والأحاديث الهادئة في الكويت. لقاءات أولى مريحة وقريبة من البيت.
مستكشفو الطعامدائرة صداقة لمن يحبون تجربة المطاعم الجديدة والأطباق الكويتية التقليدية وأطعمة العالم في الكويت.



