ثماني سنوات وحياة يوسف الاجتماعية لها عنوان واحد: الطابق الرابع في برج مكاتب بمدينة الكويت. يصل مبكرا، ويشرب قهوته الأولى مع خالد صاحب المكتب المجاور، ويتغدى مع الزملاء الأربعة أنفسهم، وينتمي إلى مجموعة محادثة للعمل لا تنام تقريبا. وحين يسأله أحد إن كان لديه أصدقاء، يجيب بنعم دون تفكير. وكان صادقا. كل ما في الأمر أنهم جميعا في المبنى نفسه.
ثم تغير كل شيء خلال ربيع واحد. قبل خالد عرضا من شركة أخرى. ونقل اثنان من مجموعة الغداء إلى فرع جديد، وأعيد تنظيم الفريق تحت مدير بالكاد يعرفه يوسف. بقيت الرسائل تصل لبضعة أسابيع: «لازم نلتقي!»، «الأسبوع الجاي إن شاء الله». ثم قلت، ثم توقفت. لم يختلف أحد مع أحد. كل ما حدث أن الشيء الذي كان يحمل هذه الصداقات اختفى. وأدرك يوسف أن ما كان يسميه صداقة كان، جزئيا على الأقل، جدولا مشتركا.
لماذا يعد العمل بداية ممتازة
هذا لا يعني أن صداقات المكتب زائفة. فمكان العمل من أفضل الأماكن التي يكون فيها الكبار صداقات جديدة، والسبب واضح. الصداقة تنمو من التواصل المتكرر غير المخطط له، من اللقاءات الصغيرة التي لا تحتاج إلى ترتيب: حديث قصير عند آلة القهوة، وتذمر مشترك من موعد تسليم، ونكتة في اجتماع لم يفهمها إلا ثلاثة. العمل يوفر هذا التواصل خمسة أيام في الأسبوع، بلا مقابل.
والعمل يمنح الناس هدفا مشتركا أيضا. حين تحلان مشكلة صعبة معا، أو تتجاوزان فترة عصيبة، تبنى الثقة بسرعة. ترى كيف يتصرف الشخص تحت الضغط، وهل يفي بكلمته، وهل ينسب النجاح لنفسه أم يتقاسمه. وهذه بالضبط الأشياء التي تريد أن تعرفها عن صديق، والمكتب يكشفها أسرع من عشرات العزائم المهذبة.
وفي الكويت، حيث يبقى كثيرون مع جهة العمل نفسها سنوات طويلة، وتشبه المكاتب أحيانا عائلة ممتدة، قد يصبح الزملاء من أهم الناس في حياتك. وصداقات كثيرة دامت العمر كله بدأت بمكتب بجوار شخص ما.
بل إن كثيرا من الزملاء هنا يلتقون خارج الدوام دون تخطيط كبير: في ديوانية يعرفها الجميع، أو في عزيمة عائلية، أو في عرس قريب لأحدهم. والمجتمع الكويتي صغير بما يكفي لأن تلتقي زميلك في السوق أو في المسجد أو في مناسبة عائلية. هذه الشبكة المتداخلة نعمة حقيقية، لكنها قد تخفي حقيقة بسيطة: أن ما يجمعك بهؤلاء الناس في الغالب هو العمل، وأن غيابه يكشف فجأة كم كانت الصداقة معتمدة عليه.
لماذا تكون الدائرة التي تعيش في العمل وحده هشة
تبدأ المشكلة حين يصبح العمل المكان الوحيد الذي تحدث فيه الصداقة. فالدائرة التي تبنى بالكامل داخل مؤسسة واحدة فيها نقاط ضعف لا تظهر إلا لاحقا.
أولها أنها تعتمد على هياكل لا يتحكم فيها أحد منكم. الترقيات والتنقلات والاستقالات وإعادة الهيكلة ترسم الخريطة من جديد، وحين تتغير الخريطة تميل الصداقات التي قامت على القرب إلى التلاشي معها. وهذا ما تعلمه يوسف بالطريقة الصعبة.
وثانيها أن للعمل جاذبيته الخاصة. حتى على العشاء، يعود الحديث إلى المدير والمشروع والإشاعة عن المكافآت. ومن الصعب أن تكون على طبيعتك تماما مع أشخاص هم أيضا، بمعنى ما، جمهورك في العمل. هناك أشياء لا تستطيع قولها عن شكوكك وطموحاتك أو نيتك في الانتقال، لأن المستمعين جزء من القصة.
وثالثها التسلسل الوظيفي. حين يصبح أحد الصديقين مديرا للآخر، أو يتقدم كلاهما للمنصب نفسه، يتغير شيء ما مهما كان الطرفان ناضجين. يمكن للصداقة أن تصمد، لكنها تحمل ثقلا لا تحمله صداقات خارج العمل.
مشكلة دانة المعاكسة
دانة، التي تعمل في شركة بمنطقة شرق، كانت لها عادة معاكسة تماما. بعد تجربة سيئة في وظيفة سابقة، قررت أن تفصل العمل عن حياتها الخاصة فصلا تاما. كانت ودودة ومهنية، لكنها لم تقبل أي دعوة بعد الدوام، ولم تتحدث كثيرا عن عطلاتها، وكانت تغادر في الخامسة تماما. وبعد سنتين أدركت أنها لا تعرف أحدا في المكتب معرفة حقيقية، رغم أنها تقضي فيه معظم ساعات يقظتها.
جاء التغيير من زميلة اسمها نورة، لاحظت أن دانة تمشي وحدها وقت الاستراحة فسألتها إن كان بإمكانها مرافقتها. صار المشي عادة. تحدثتا عن الكتب والعائلة وحر سبتمبر العنيد، ونادرا ما تحدثتا عن العمل. واكتشفت دانة أن الحد لا يجب أن يكون جدارا. يمكنك أن تحمي حياتك الخاصة وتسمح في الوقت نفسه لزميل أو اثنين بأن يصبحوا أصدقاء حقيقيين.
وخلال أشهر قليلة عرفت نورة دانة على أختها وعلى صديقة قديمة من أيام المدرسة، ووجدت دانة نفسها لأول مرة منذ زمن ولديها خطط يوم السبت لا علاقة لها بالعمل. كان المكتب هو الباب، لا الغرفة. وهذا غالبا أصح شكل لصداقة العمل: تبدأ عند مكتب، ثم تمد جذورها في مكان آخر، فلا تعود معلقة ببقاء الطرفين في الوظيفة نفسها.
كيف تنقل صداقة العمل إلى خارج المكتب
إن كان لديك زميل تحبه فعلا، فاختبار الصداقة هو قدرتها على العيش في مكان آخر. والخطوة أصغر مما تبدو. اقترح شيئا قصيرا ومحددا خارج ساعات العمل: مشيا في مساء لطيف، أو قهوة صباح السبت، أو مباراة بادل مع شخص ثالث. اجعل الأمر خفيفا، بحيث يستطيع أي منكما الاعتذار دون حرج.
وحين تلتقيان، جرب قاعدة صغيرة: لا حديث عن العمل في نصف الساعة الأولى. تبدو القاعدة مصطنعة، لكنها تغير كل شيء. تكتشف ما يهتم به زميلك حين لا يقيمه أحد. تتعرف على الأخ الذي يعيش في الخارج، والهواية التي لم تكتمل، والآراء الكروية التي لا تظهر في الاجتماعات أبدا. هناك تتحول صداقة العمل إلى صداقة فقط.
وإدخال شخص ثالث يساعد كذلك. حين دعا يوسف خالدا أخيرا إلى مشي مساء الخميس، بعد أشهر من انتقاله، أحضر معه جارا يمارس الجري. لم يكن بين الثلاثة شيء مشترك في العمل، لأنه لم يكن بينهم عمل مشترك أصلا. فاضطروا إلى الحديث عن كل شيء آخر، وكانت تلك أجمل أمسية قضاها يوسف منذ وقت طويل.
ابن النصف الآخر
الدرس الأهم ليوسف ودانة كان أنهما يحتاجان إلى مجموعة ثانية من الصداقات لا علاقة لها بالوظيفة. لا بدلا من الزملاء، بل إلى جانبهم.
أصدقاء خارج العمل يمنحونك مكانا تكون فيه على طبيعتك حين تسوء الأمور في العمل. ليست لهم مصلحة في مسارك المهني، فنصيحتهم بسيطة وصافية. ولا يختفون حين تغير جهة عملك. ويوسعون عالمك: معلمة وممرض وطالبة وصاحب مشروع صغير حول طاولة واحدة سيتحدثون عن أشياء لا يقترب منها أي مكتب.
الجزء الصعب أن صداقات خارج العمل لا تأتي بجدول جاهز. عليك أن تصنع التكرار الذي يمنحه المكتب مجانا. وأبسط طريقة موعد ثابت قريب من البيت: المشي نفسه كل ثلاثاء مساء، والمقهى نفسه صباح كل سبت، والمجموعة الصغيرة نفسها مرة كل أسبوعين. التكرار هو ما يحول أمسية لطيفة إلى صداقة. والاهتمامات المشتركة تسهل الطريق، لأن النشاط يحمل الحديث إلى أن يعرف الناس بعضهم بما يكفي ليستغنوا عنه.
مراجعة بسيطة للتوازن
من المفيد أن تسأل نفسك بين حين وآخر بعض الأسئلة الصادقة. لو غيرت وظيفتك غدا، من ستظل تراه الشهر القادم؟ هل هناك شخص واحد على الأقل تستطيع أن تحدثه عن العمل وهو لا يعمل معك؟ متى قضيت آخر أمسية مع شخص لم تتعرف إليه عن طريق وظيفتك؟ لا توجد نسبة مثالية. الهدف ببساطة ألا يكون كل شيء قائما على مبنى واحد.
وإن جاءت إجاباتك مقلقة، فلا داعي للذعر ولا للانسحاب من زملائك. يكفي أن تبدأ بخطوة واحدة هذا الشهر: موعد واحد ثابت مع أشخاص من خارج عملك، تحميه كما تحمي أي التزام آخر. بعد ثلاثة أشهر سيكون لديك ما لم يكن لديك من قبل، ولن يعتمد على قرار من إدارة الموارد البشرية.
أين تأتي ترو فريند
بناء صداقات خارج العمل أصعب ما يكون حين يكون العمل في أشد انشغاله، ولهذا وجدت ترو فريند. إنها منصة صداقة بالدعوة فقط، للصداقة وحدها، لمن هم من عمر 18 عاما فأكثر، وهي مفتوحة في مدينة الكويت. ترو، مساعدنا، يتعرف إلى ما تستمتع به وإلى الأوقات التي تكون فيها متفرغا فعلا، ثم يعرفك بعدد قليل من الأشخاص المتوافقين القريبين منك، مع الأسباب التي قد تجعلكم تنسجمون. ولا تفتح المحادثة إلا حين يوافق كلاكما، وكل خطة تكون في مكان عام. وتمنحك دوائر مثل قهوة وحديث والمشي والجري والبادل والتنس مجموعة صغيرة منتظمة من ثلاثة إلى عشرة أشخاص لا علاقة لهم بمكتبك.
ما زال يوسف يتغدى مع زملائه، وما زال يستمتع بذلك. لكن مساء الثلاثاء صار لمجموعة المشي، وخالد ينضم إليهم مرة في الشهر. وإن كنت تريد حياة اجتماعية لا تعتمد على مسماك الوظيفي، فـاطلب دعوة وسنرسل إليك دعوة شخصية.
لا تكتف بالقراءة
انضم إلى دائرة من الناس في الكويت يحبون ما تحبه. الأعضاء في ترو فريند يمكنهم الانضمام من التطبيق أو اقتراح خطة في أي محادثة.
قهوة وحديثدائرة صداقة لمن يحبون المقاهي والأحاديث الهادئة في الكويت. لقاءات أولى مريحة وقريبة من البيت.
المشي والجريدائرة صداقة لمن يحبون المشي المسائي والجري المبكر ومسارات الحدائق والواجهة البحرية في الكويت. ابحث عن رفيق دائم يناسب سرعتك.
البادل والتنسدائرة صداقة للاعبي البادل والتنس في الكويت، من المبتدئين إلى المنتظمين، يبحثون عن مباريات ودية وأشخاص يلعبون معهم.


