كبر يوسف على ليالي الاثنين. كل أسبوع كانت ديوانية جده تمتلئ بالأصوات نفسها: الأعمام والجيران، وصديق قديم لجده من أيام المدرسة يجلس دائما في المقعد القريب من الباب، وبعض الشباب الذين يأتون غالبا ليستمعوا. كانت هناك القهوة والشاي، ونقاش طويل عن كرة القدم، وحديث أهدأ عن ابن من سيتزوج وأبي من يمر بوعكة صحية. لم يكن أحد يرسل دعوة. كان الجميع يعرف ببساطة أن الباب مفتوح يوم الاثنين.
في الرابعة والثلاثين أدرك يوسف أنه لم يدخل ديوانية منذ قرابة عامين. بيع بيت جده بعد أن توزعت العائلة على مناطق جديدة. وانشغل أصدقاء المدرسة بأطفال صغار ومشاوير طويلة إلى العمل. كان يسكن شقة في الجابرية، ويعمل حتى وقت متأخر، ووجد أن أمسياته تحولت إلى سلسلة من الوعود المهذبة. «لازم نقعد مع بعض قريب» كان أصدقاؤه يكتبون في مجموعة المحادثة. ولم يأت هذا القريب أبدا. لم تكن وحدة بالمعنى الدقيق، بل إحساس هادئ بأن شيئا كان يحدث من تلقاء نفسه قد توقف، ولم ينتبه أحد.
ما الديوانية، ولماذا تهم
الديوانية من أشهر تقاليد الكويت. هي لقاء، وكثيرا ما تكون أيضا الغرفة أو المكان الذي يحتضنه، يجتمع فيه الرجال ليتحدثوا ويتبادلوا الأخبار والأفكار. قد تقام في بيت، أو في مجلس مستقل للاستقبال، أو حتى في خيمة. يمر عليها الأقارب والجيران والأصدقاء ليتناقشوا في شؤون العائلة وقضايا المجتمع والسياسة والأخبار، وفي الرياضة في أغلب الأحيان. بعض الدواوين رسمية بلباس تقليدي وأعراف دقيقة، وبعضها بسيط تتخلله الألعاب، وبعضها يجمع أصحاب المهنة الواحدة. وكثير منها له ليلة ثابتة في الأسبوع يعرفها رواده دون أن يذكرهم بها أحد.
ومكانتها معترف بها على نطاق واسع. ففي عام 2025 أدرجت اليونسكو الديوانية على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، ووصفتها بأنها ممارسة ثقافية جامعة في الكويت. يتعلم الشباب آدابها بالملاحظة: كيف يستقبل الضيف، وكيف يظهر الاحترام لكبار السن، وأين يجلس المرء، وما الحديث اللائق. وبهذا المعنى ليست الديوانية مكانا للراحة فحسب، بل هي المكان الذي ينقل فيه المجتمع قيمه بهدوء، أسبوعا بعد أسبوع.
والديوانية في الأصل مجلس للرجال، ومن الصواب أن نقول ذلك بوضوح. والنساء في الكويت يجتمعن أيضا، بين الأهل والصديقات وبأشكال خاصة بهن، وفي السنوات الأخيرة أسست نساء كثيرات دواوين خاصة بهن مساحات للحوار والقيادة. لن ندعي أن هذه كلها شيء واحد. لكن ما يجمعها هو الفكرة الكامنة تحتها، وهي فكرة مفيدة لكل أحد.
أربعة دروس مخبأة في التقليد
إذا نظرت إلى الديوانية بوصفها نموذجا لكيفية نمو الصداقة، برزت أربعة دروس. لا جديد في أي منها، لكنها جميعا سهلة النسيان في أسبوع حديث مزدحم.
الليلة نفسها كل أسبوع. الليلة الثابتة تزيل أصعب ما في صداقة الكبار، وهو ترتيبها. لا أحد يحتاج إلى إرسال رسالة أو مقارنة المواعيد أو القلق من أنه دائما من يبادر. الخطة موجودة سلفا، وكل ما عليك أن تقرر هل تذهب.
باب مفتوح. في الديوانية يمكنك أن تصل متأخرا، أو تغادر مبكرا، أو تغيب أسبوعا دون تبرير. وهذه الحرية مهمة. حين لا يبدو غياب أمسية واحدة خذلانا للآخرين، يعود الناس أكثر لا أقل.
لا ضغط. لا أحد مطالب بأن يبهر أحدا. يمكنك أن تتحدث ساعة، أو أن تجلس وتستمع وتشرب شايك وتستمتع بالصحبة. قد يبقى الخجول من الرواد شهورا قبل أن يقول الكثير، ومع ذلك يشعر بأنه من أهل المكان.
الحديث هو الغاية. لا تذكرة ولا عرض ولا برنامج. اللقاء موجود كي يتحدث الناس، ومع الوقت يتحول الحديث إلى ثقة. تعرف من يحسن النصيحة، ومن يضحك الجميع، ومن سيقف معك حين تتعطل سيارتك أو يدخل قريب لك المستشفى.
وإذا جمعت هذه الدروس الأربعة وجدتها تصف ما يشير إليه أيضا الباحثون الذين يدرسون الصداقة: الصداقات تتكون في الغالب عبر لقاءات متكررة وسهلة مع الأشخاص أنفسهم على مدى الوقت، أكثر بكثير مما تتكون في أمسية واحدة لا تنسى. والديوانية وضعت ذلك في التقويم قبل أن يكتبه أحد بزمن طويل.
حين لا تكون هناك ديوانية تدخلها
كثيرون في الكويت ليست لديهم ديوانية خاصة بهم. القادمون الجدد هم المثال الأوضح. من وصل للتو من القاهرة أو عمان أو مانيلا أو كيرالا قد يسمع عن الدواوين في أسبوعه الأول ولا يدخل واحدة أبدا. والنساء اللواتي يرغبن في أمسية منتظمة مع صديقاتهن قد لا يجدنها جاهزة. وكثير من الكويتيين، مثل يوسف، يجدون أن اللقاء الذي كبروا عليه لم يعد يناسب حياتهم: بيت العائلة لم يعد موجودا، أو تفرق الرواد، أو صار السكن بعيدا بحيث لم تعد ليلة الاثنين واقعية.
والحل ليس في تقليد الغرفة. الديوانية تخص عائلة ومضيفا ولها أعرافها، وتستحق الاحترام على هذا الأساس. فإن دعاك زميل أو جار كويتي إلى ديوانيته فاقبل بود، واتبع ما يفعله صاحب المكان، واستمتع بالأمسية. لكن الخطوة الأكثر عملية لمعظم الناس هي استعارة الإيقاع. مجموعة صغيرة، وليلة ثابتة، ومكان مألوف، ونشاط بسيط يجتمعون حوله، يمكن أن تمنحك كثيرا مما تمنحه الديوانية لروادها.
كيف تبني طاولتك الأسبوعية
ابدأ صغيرا. ثلاثة إلى ستة أشخاص يكفون. الطاولة الصغيرة تعني أن الجميع يسمع، ولا يضيع أحد، وأن المجموعة تصمد حين يتعذر حضور واحد أو اثنين. لا تحتاج إلى شبكة صداقات كبيرة كي تبدأ، بل إلى شخصين أو ثلاثة يستمتعون بالأمسية نفسها.
اختر ليلة والتزم بها. اختر أمسية تناسب أغلب المجموعة، ربما ليلة هادئة في منتصف الأسبوع بدل الجمعة التي يخصصها كثيرون للعائلة. ثم احمها. القيمة تأتي من التكرار، فاجعل الليلة ثابتة ودع عدد الحضور يتغير. أربعة أشخاص في أسبوع واثنان في الأسبوع التالي ما زالت طاولة.
اختر مكانا عاما يسهل الرجوع إليه. المقهى الذي فيه جلسات مريحة ومستوى صوت معقول مناسب جدا، خصوصا إن كان في موقع وسط للمجموعة وسهل الوقوف بالسيارة. وإبقاء اللقاء في مكان عام يسهل على القادمين الجدد الانضمام، ويجعله مريحا للجميع. ولاحقا، إن صارت المجموعة قريبة وناسب ذلك عائلات الجميع، يمكنكم أن تستضيفوا بعضكم، ولا حاجة إلى البدء من هناك.
امنحها نشاطا خفيفا. بعض المجموعات تكفيها القهوة والحديث. وبعضها يرتاح أكثر حين يكون هناك ما يفعله: لعبة لوحية، أو ورق، أو كتاب مشترك، أو مباراة على الشاشة. أمسية الألعاب مدخل لطيف للخجولين، لأن اللعبة تملأ لحظات الصمت إلى أن يتولى الحديث الأمر. واجعل النشاط بسيطا بما يكفي ليبقى الكلام أولا.
أبق الباب مفتوحا. اتفقوا على أن لكل واحد أن يحضر صديقا بين حين وآخر، وأن الغياب أسبوعا لا يحتاج إلى اعتذار، وأن القادم الجديد مرحب به دائما. هذه القاعدة وحدها تحول المجموعة المغلقة إلى شيء أقرب إلى الديوانية، مكان يجد الناس طريقهم إليه.
وزعوا المهام الصغيرة. واحد يذكر المجموعة كل أسبوع، وآخر يختار مقهى جديدا بين حين وآخر، وثالث يحتفظ بصندوق الألعاب في سيارته. حين يتوزع العمل لا يعتمد اللقاء على منظم واحد متعب.
ماذا حدث لثلاثاءات يوسف
لم يعلن يوسف شيئا كبيرا. سأل زميلين وصديق دراسة قديما هل يلتقون على القهوة كل ثلاثاء بعد الدوام، في مقهى قرب الدائري يناسب طريق الجميع. أحضر أحد الزميلين معه كريم، مهندسا جديدا من مصر مضى على وجوده في الكويت ثلاثة أشهر وقضى أغلب أمسياته وحيدا. كان الثلاثاء الأول في معظمه حديثا عن العمل. وفي الثاني أحضر أحدهم لعبة ورق. وبحلول السادس كان كريم يعلم الآخرين نسخة مصرية منها، وصار صديق الدراسة يحضر معه أخاه الأصغر.
لم تكبر الطاولة كثيرا. في بعض الأسابيع لم يكن عليها إلا اثنان. لكنها كانت موجودة دائما، وبدأت شيئا فشيئا تشبه ليالي الاثنين التي يتذكرها يوسف: الوجوه نفسها، والبداية السهلة نفسها، والإحساس نفسه بأنك تصل متعبا وتغادر أخف. وحين مرض والد كريم في بلده، كانت مجموعة الثلاثاء هي التي تطمئن عليه كل يوم. هذا ما يمنحك إياه اللقاء المنتظم في النهاية. ليس التسلية، بل أناس ينتبهون إليك.
أين تأتي ترو فريند
ترو فريند منصة صداقة بالدعوة فقط، للصداقة وحدها، لمن هم من عمر 18 عاما فأكثر، وهي مفتوحة الآن في مدينة الكويت. ترو، مساعدنا، يتعرف إلى ما تستمتع به وإلى أوقات فراغك المعتادة، ويعرفك بعدد قليل من الأشخاص المتوافقين القريبين منك، ويساعد في تحويل التعارف إلى خطة في مكان عام. ولا تفتح المحادثة إلا حين يوافق كلاكما. والدوائر مثل القهوة والحديث والألعاب اللوحية وجدد في الكويت مجموعات صغيرة من ثلاثة إلى عشرة أشخاص يلتقون حول شيء يستمتعون به أصلا، وهي بداية طبيعية لطاولة أسبوعية خاصة بك. وإن بدا لك أن أمسية منتظمة في صحبة طيبة هي ما ينقص أسبوعك، فـاطلب دعوة وسنرسل إليك دعوة شخصية.
لا تكتف بالقراءة
انضم إلى دائرة من الناس في الكويت يحبون ما تحبه. الأعضاء في ترو فريند يمكنهم الانضمام من التطبيق أو اقتراح خطة في أي محادثة.
قهوة وحديثدائرة صداقة لمن يحبون المقاهي والأحاديث الهادئة في الكويت. لقاءات أولى مريحة وقريبة من البيت.
ألعاب الطاولة والمسابقاتدائرة صداقة لألعاب الطاولة والورق وأمسيات المسابقات في الكويت. تعرف على أشخاص لمنافسة ودية وحديث سهل.
جديد في الكويتدائرة صداقة لمن انتقلوا حديثا إلى الكويت: استقر واكتشف المدينة وابن حياة اجتماعية مع من يمرون بالتجربة نفسها.



