أفكار

القهوة الشعبية والمقاهي في القاهرة: حيث تولد الصداقات على الشاي والطاولة

فريق ترو فريند · · قراءة 6 دقائق

من القهوة الشعبية بألواح الطاولة إلى المقاهي الحديثة في الزمالك والقاهرة الجديدة، صنعت القاهرة صداقاتها دائما حول الشاي. إليك لماذا ما زالت الطاولة الثابتة والأمسية الهادئة تنجح.

انتقل كريم من الإسكندرية إلى القاهرة ليعمل في أحد البنوك، وفي الأشهر الأولى بدت له المدينة هائلة وغير مبالية. كان يعرف الطريق من شقته إلى المكتب ثم العودة، ولا يعرف إلا القليل غير ذلك. كان زملاؤه لطفاء في وقت الغداء، لكن عند السادسة مساء يختفي الجميع في الزحام وفي حياتهم الخاصة. وفي عطلات نهاية الأسبوع كان يقلب هاتفه في شقة ما زالت فيها صناديق لم تفتح في الزاوية.

وفي إحدى الأمسيات، وقد ضاق بجدرانه الأربعة، نزل إلى القهوة الصغيرة في آخر الشارع. كراس على الرصيف، وتلفاز يعرض مباراة كرة قدم، وصوت قطع الطاولة على الألواح الخشبية. طلب شايا وجلس وحده. وعلى الطاولة المجاورة كان ثلاثة رجال يتجادلون بمرح حول نقلة في الطاولة، فالتفت أحدهم وطلب من كريم أن يحكم بينهم. لم يكن يعرف القواعد جيدا ليحكم، وقال ذلك صراحة، فضحكوا وقربوا له كرسيا. وبعد ساعتين كان قد خسر أربع مباريات، وتعلم الافتتاحيات كما ينبغي، وقيل له أن يعود يوم الخميس. وعاد. وبعد عام، صارت طاولة الخميس في تلك القهوة أكثر ما يحرص عليه في أسبوعه.

القهوة الشعبية: أقدم غرفة جلوس في القاهرة

على مدى أجيال، كانت القهوة الشعبية المكان الذي تلتقي فيه القاهرة بنفسها. والاسم يشير إلى القهوة، لكن المقهى التقليدي كان دائما أكبر بكثير مما في الفنجان. في معظم الأحياء قهوة واحدة على الأقل، وكثيرا ما تمتد كراسيها إلى الرصيف في المساء. يأتي الشاي في أكواب زجاجية صغيرة، والقهوة ثقيلة وحلوة لمن يطلبها كذلك، وفي الأشهر الباردة هناك السحلب الدافئ. وفي كثير منها تكون الشيشة جزءا من المشهد، لكن لا أحد يحتاج إلى التدخين ليكون من أهل الطاولة، وكثير من الرواد الدائمين لا يدخنون أبدا.

أما ما تقدمه القهوة حقا فهو الوقت. لا أحد يستعجلك. يمكنك أن تجلس ثلاث ساعات على كوب شاي واحد تراقب الشارع، ويعد ذلك طريقة معقولة تماما لقضاء الأمسية. تقاسم الكتاب والعمال والطلاب والمتقاعدون هذه الكراسي قرنا أو أكثر. وكان نجيب محفوظ، الأديب المصري الحائز جائزة نوبل، معروفا بحبه لمقاهي المدينة، وجعل كثيرا من مشاهده تدور فيها. وما زال التقليد الذي كتب عنه حيا في كل قهوة حي يعرف فيها النادل طلبك قبل أن تجلس.

الطاولة والدومينو: ألعاب تتكلم عنك

الأبطال الصامتون في القهوة هم ألعابها. الطاولة تلعب بسرعة وبصوت عال، تضرب القطع على اللوح ويعلق كل من يتابع. ويأتي الدومينو بعدها مباشرة، تتطاير قطعه على الطاولات المعدنية حتى وقت متأخر من الليل. وتظهر أوراق اللعب أحيانا، لكن الطاولة هي العلامة الحقيقية للمكان.

وتكمن أهمية الألعاب في أنها تحل أصعب مشكلة في تكوين صديق: عن ماذا نتحدث؟ حين تجلس أمام غريب على لوح الطاولة، لا تحتاج إلى اختراع حديث، فاللعبة تمنحك إياه. تعلق على رمية محظوظة، وتتأوه من رمية سيئة، وتتجادلان بلطف حول حكمة نقلة ما. وفي المباراة الثالثة تقريبا ينتقل الحديث من اللوح إلى العمل والعائلة والمباراة على التلفاز، فإذا بشخصين كانا غريبين قبل ساعة يتحدثان ببساطة كأي صديقين.

وفي ذلك مساواة جميلة أيضا. أمهر لاعب على طاولة كريم معلم متقاعد في الستينات من عمره، وأضعفهم كريم نفسه، صاحب الشهادة الجامعية والوظيفة الجيدة. اللوح لا يبالي بذلك. تربح وتخسر وتضحك ثم ترتب القطع من جديد. وهذا التواضع الصغير، حين يتكرر أسبوعا بعد أسبوع، أرض خصبة للصداقة.

ثقافة المقاهي الجديدة

إلى جانب القهوة الشعبية، نمت في القاهرة خلال العقدين الماضيين ثقافة مقاه ثانية. ففي الزمالك والمعادي ومصر الجديدة والقاهرة الجديدة والشيخ زايد مقاه للقهوة المختصة، ومخابز بطاولات طويلة، ومقاه مشرقة مليئة بالحواسيب والكتب والأحاديث. وكثير منها مريح لمجموعات الأصدقاء المختلطة، هادئ بما يكفي للحديث، ومزدحم بما يكفي ليبدو نابضا بالحياة.

تصف سلمى، وهي مصممة جرافيك تعمل في مصر الجديدة، هذه المقاهي بأنها مكتبها ومكتبتها وقاعة اجتماعاتها في آن واحد. لكنها ظلت لوقت طويل تذهب إليها وحدها. ثم اقترحت صديقة لصديقة أن يحولا هذه العادة إلى موعد ثابت: المقهى نفسه، صباح كل سبت ثان من الشهر، ومن يستطيع الحضور يحضر. في المرة الأولى كن ثلاثا. ومع نهاية العام صارت المجموعة سبعة أشخاص، وطاولة طويلة يتركها العاملون فارغة لهم بهدوء.

والثقافتان ليستا متنافستين. فبعض المجموعات تلتقي في مقهى حديث صباحا وتنهي يومها في قهوة الحي مع الطاولة. وما يجمعهما فكرة واحدة: طاولة ومشروب ووقت هادئ يكفي ليعرف الناس بعضهم.

لماذا تنجح الطاولة الثابتة

يعود علماء النفس الذين يدرسون الصداقة دائما إلى النتيجة البسيطة نفسها: الأصدقاء يصنعون بالوقت الهادئ المتكرر معا، لا بأمسية واحدة مثيرة، بل بأمسيات عادية كثيرة. وقد فهمت القهوة ذلك قبل أن يقيسه أحد. الكراسي نفسها، والوجوه نفسها، والمساء نفسه من كل أسبوع. لا تحتاج إلى التخطيط لشيء ولا إلى أن تكون شخصا مثيرا للاهتمام بشكل خاص، بل يكفي أن تواصل الحضور.

والطاولة الثابتة تخفف الضغط أيضا. إن غبت أسبوعا لا يغضب أحد، والطاولة باقية في المرة القادمة. وإن كنت خجولا، يمكنك أن تتابع مباراة قبل أن تشارك في واحدة. وإن نفد الحديث، فهناك دائما الشارع لتتأمله، والشاي لتطلبه، والدومينو لتخلطه. البطء هنا ليس ضعفا، بل هو بالضبط ما يمنح الصداقة مساحة لتنمو.

ومع الوقت تتولى الطاولة الثابتة بهدوء المهام التي يقوم بها الأصدقاء بعضهم لبعض. ففي قهوة كريم، حين صمت أحد الرجال بضعة أسابيع بعد أن فقد عمله، كانت طاولة الخميس أول من لاحظ. لم يلق أحد خطبة. ذكر أحدهم ببساطة قريبا له تبحث شركته عن موظفين، وعرض آخر أن يراجع سيرته الذاتية، واستمرت المباريات كالمعتاد. هكذا تبدو الصداقة في الواقع غالبا: لا مواقف كبيرة، بل اهتمام صغير من أناس يرونك كل أسبوع.

وهناك أيضا ما يتعلمه المرء عن الإصغاء. في القهوة لا يتسابق أحد على الكلام، فالأمسية طويلة والوقت متسع. يحكي أحدهم قصة يومه، ويعلق آخر، ثم يعود الجميع إلى اللوح. ومع تكرار ذلك يعتاد الناس أن يسمعوا بعضهم بصبر، وهذه من أندر المهارات وأثمنها في أي صداقة.

كيف تنجح الأمسية في مجموعة صغيرة

إن أردت أن تبني أمسية مقهى ثابتة خاصة بك، فهناك عادات بسيطة تساعد. اختر مكانا واحدا وموعدا واحدا، والتزم بهما شهرين على الأقل. واختر مكانا عاما مزدحما ومريحا لكل أفراد المجموعة، رجالا ونساء، وهذا يعني عمليا مقهى معروفا أو قهوة حية على شارع رئيسي لا ركنا منعزلا. واجعل المجموعة صغيرة بحيث تتسع لها طاولة واحدة.

أحضر لعبة، أو تعلم لعبة المكان. فلوح الطاولة أو علبة الدومينو يمنح القادم الجديد ما يشغل به يديه حتى يأنس بالمكان. وتناوبوا على اختيار المكان التالي إن أرادت المجموعة التنويع، لكن أبقوا اليوم ثابتا. واجعلوا تقسيم الحساب بسيطا، فقاعدة سهلة مثل التناوب على الدفع توفر على الجميع الحسابات المحرجة في آخر الليل.

وقبل كل شيء، كن كريما مع القادم الجديد. فكل طاولة ثابتة بدأت بشخص يجلس وحده. وحين يذكر أحدهم أنه انتقل إلى القاهرة للتو، كما فعل كريم يوما، قرب له كرسيا. لن يكلفك ذلك شيئا، وقد يغير عامه كله.

ولا تنس أن الطاولة لا تحتاج إلى أن تكون مثالية. قد تأتي أمسية لا يحضر فيها إلا اثنان، وقد ينقطع الحديث أحيانا. لا بأس بذلك. فما يبني الصداقة ليس الأمسية الرائعة، بل الاستمرار في الحضور حتى في الأمسيات العادية.

أين تأتي ترو فريند

ليس لكل أحد قهوة في آخر شارعه وطاولة ودودة، وليس كل أحد مرتاحا للاقتراب من الغرباء. وهنا تستطيع ترو فريند أن تساعد. إنها منصة صداقة بالدعوة فقط، للصداقة وحدها، لمن هم من عمر 18 عاما فأكثر، وهي مفتوحة الآن في القاهرة. ترو، مساعدنا، يتعرف إلى ما تستمتع به، وإلى مكان سكنك وأوقات فراغك المعتادة، ثم يعرفك بعدد قليل من الأشخاص المتوافقين القريبين منك. ولا تفتح المحادثة إلا حين يوافق كلاكما، وكل خطة تكون في مكان عام، مثل مقهى مزدحم.

دائرة قهوة وحديث مصنوعة لأمسيات هادئة مثل أمسيات كريم، ولصباحات السبت مثل صباحات سلمى. ودائرة ألعاب الطاولة تجمع من يسعدهم أن يخسروا أربع مباريات طاولة ليكسبوا صديقا، ودائرة جديد في القاهرة لكل من وصل للتو ولا يعرف بعد أين توجد الطاولات الطيبة. المجموعات صغيرة، من ثلاثة إلى عشرة أشخاص، فتعود الوجوه نفسها ويجد الحديث وقتا ليتعمق.

ما زال كريم يخسر في الطاولة معظم أيام الخميس، لكنه لم يعد يبالي. وإن كنت تريد طاولة ثابتة خاصة بك، فـاطلب دعوة وسنرسل إليك دعوة شخصية.

لا تكتف بالقراءة

انضم إلى دائرة من الناس في القاهرة يحبون ما تحبه. الأعضاء في ترو فريند يمكنهم الانضمام من التطبيق أو اقتراح خطة في أي محادثة.

أحضر ترو فريند إلى مدينتك

نفتح المدن التي يطلبها عدد كاف من الناس. سنرسل لك رسالة واحدة فقط، يوم الافتتاح.