كانت سلمى دائما القارئة في عائلتها. في طفولتها كانت تستعير الروايات من رفوف خالتها وتعيدها بزوايا مطوية، وفي الجامعة كانت تقضي في المكتبات وقتا أطول مما تقضيه في المقصف. ثم بدأ العمل، والتهم الطريق في زحام القاهرة أمسياتها، وصارت القراءة شيئا تفعله وحدها، عشر صفحات قبل النوم. ما زالت تحب الكتب، لكنها لم تجد من تتحدث معه عنها.
في صباح يوم جمعة كانت تقف أمام رف الروايات العربية في مكتبة ديوان في الزمالك، مترددة بين روايتين، حين قالت المرأة الواقفة بجانبها دون أن ترفع عينيها: «خذي الأقصر. الأخرى جميلة، لكن نهايتها ستغضبك». ضحكتا، وتحدثتا عشر دقائق عن نهايات أغضبتهما، وتبادلتا الأرقام كأنه أمر عابر. وبعد ثلاثة أسابيع التقت الاثنتان، ومعهما زميلة للمرأة الأخرى وصديقة لسلمى من أيام الجامعة، في مقهى في مصر الجديدة للحديث عن الرواية الأقصر. كان ذلك قبل عام، ولم تفوت المجموعة شهرا منذ ذلك الحين.
مدينة قرأت دائما
للقاهرة علاقة طويلة وعريقة بالكتب. فعلى مدى أجيال كانت من أكبر مراكز النشر في العالم العربي، وموطنا لكتاب كبار ودور طباعة قديمة، ولأكشاك الكتب المستعملة التي ما زال القراء يبحثون فيها عن كنوز نفدت طبعاتها. واسأل أي قاهري تجاوز الأربعين، وسيحدثك عن أول رواية غيرته، وكثيرا ما اشتراها بثمن زهيد وقرأها حتى تمزق غلافها.
هذا التقليد لم يختف، بل تغير شكله. فإلى جانب الأكشاك القديمة ظهرت مكتبات حديثة يأتيها الناس للتصفح والجلوس مع فنجان قهوة وحضور الندوات وحفلات التوقيع. ومكتبة ديوان، التي بدأت في الزمالك وصارت من أشهر أسماء المكتبات في مصر، مثال جيد على ذلك: مكان تقضي فيه ساعة بين العناوين العربية والإنجليزية، وتخرج منه وقد سمعت ثلاثة أحاديث تمنيت أن تشارك فيها. ومثل هذه المكتبات من الأماكن القليلة في مدينة مزدحمة يبدو فيها الحديث مع غريب أمرا طبيعيا، فالكتاب الذي في يدك تعريف بك قبل أن تتكلم.
معرض الكتاب كل شتاء
ثم هناك معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يقام كل شتاء، وهو من أقدم معارض الكتب في المنطقة وأكبرها. ولكثير من العائلات هو نزهة سنوية: آباء مع أطفال يختارون كتبهم الأولى، وطلاب يحملون أكياسا ثقيلة من الكتب الدراسية، وقراء يتنقلون ببطء من جناح ناشر إلى آخر. قد تكون الحشود كبيرة جدا، خاصة في عطلات نهاية الأسبوع، وهذا جزء من سحره. فلبضعة أسابيع تبدو المدينة كلها وقد تذكرت كم تحب القراءة.
والمعرض مكان رائع للذهاب إليه مع الأصدقاء، وسبب أفضل لتكوين أصدقاء جدد. إن ذهبت وحدك رأيت الأجنحة، وإن ذهبت مع قارئين أو ثلاثة رأيت ما يلفت انتباههم، وسمعت لماذا لا يستطيع أحدهم المغادرة دون ديوان شاعر بعينه، وأنهيتم اليوم تقارنون ما اشتراه كل واحد على كوب شاي. وبعض حلقات القراءة في القاهرة بدأت بهذه الطريقة تماما: مجموعة صغيرة ذهبت إلى المعرض معا، واستمتعت أكثر مما توقعت، وقررت ألا تنتظر عاما كاملا لتكرر التجربة.
وإن كنتم تخططون للذهاب كمجموعة، فمن المفيد أن تتفقوا على نقطة لقاء، وأن تذهبوا مبكرا في يوم من أيام الأسبوع إن أمكن، وأن تتركوا لكل واحد وقتا يتجول فيه وحده بين الأجنحة قبل أن تلتقوا من جديد. فالقراء يحبون التصفح على مهل، واللقاء بعد ذلك، والأكياس ممتلئة والآراء جاهزة، هو المكان الذي تولد فيه الصداقة.
لماذا يحول الكتاب الغرباء إلى أصدقاء
تتوقف أغلب الصداقات الجديدة عند النقطة نفسها: بعد الأسئلة المهذبة عن العمل ومكان السكن لا يبقى شيء يقال. والكتاب يحل هذه المشكلة. فكل من على الطاولة قضى عدة أمسيات في القصة نفسها، والتقى الشخصيات نفسها، ووصل إلى الصفحة الأخيرة نفسها. لا حاجة إلى اختراع موضوع، فأنت تصل ومعك موضوعك.
والكتاب الجيد يأخذ الحديث أعمق مما يستطيعه الكلام العابر. فمناقشة سبب اختيار شخصية لقرار سيئ، أو سبب تأثرك بسيرة ذاتية، تعني أن تشارك شيئا من نظرتك إلى العالم. يكشف الناس ما يقدرونه وما يخيفهم وما يضحكهم، دون أن يسألهم أحد مباشرة. وبعد بضعة أشهر يعرف أعضاء حلقة القراءة بعضهم بطريقة لا يعرفها كثير من الزملاء بعد عشر سنوات.
وفي ذلك لطف أيضا. فبعض الناس يجدون صعوبة في الحديث عن أنفسهم في مجموعة جديدة، والحديث عن كتاب أسهل. تستطيع العضوة الهادئة أن تبدأ بذكر المشهد الذي بقي في ذهنها، ومع الوقت تكبر هذه التعليقات الصغيرة لتصبح حديثا حقيقيا. حلقة القراءة تمنح الخجولين بابا آمنا إلى المجموعة.
ولا يقتصر الأمر على الحديث. فحلقة القراءة تدفع أعضاءها إلى قراءة ما لم يكونوا ليختاروه وحدهم. من لا يقرأ إلا الروايات يكتشف كتاب تاريخ يأسره، ومن لا تقرأ إلا بالإنجليزية تعود إلى رواية عربية كلاسيكية كانت قد نسيتها منذ المدرسة. وكل كتاب جديد من هذا النوع يضيف إلى الصداقة شيئا، لأنه يذكر كل عضو بأن الآخرين وسعوا عالمه.
كيف تعمل حلقة القراءة الصغيرة
تتبع حلقة سلمى نمطا بسيطا تعرفه مجموعات كثيرة في القاهرة. يلتقين مرة في الشهر، في الأمسية نفسها، في مقهى يسهل الوصول إليه وهادئ بما يكفي ليسمعن بعضهن. ويتناوبن على اختيار الكتاب التالي، ومن اختارته تفتتح النقاش. ويحاولن التنويع بين العناوين العربية والإنجليزية، وبين الروايات والكتب غير الروائية، حتى لا تشعر واحدة منهن بأن الحلقة تخص ذوقا واحدا.
والحجم مهم. من أربعة إلى ثمانية أشخاص هو العدد المثالي. فإن قل العدد جعل غياب شخص واحد الأمسية باهتة، وإن زاد اختفى الأعضاء الأهدأ. والمجموعات الصغيرة تسهل أيضا إيجاد طاولة في مقهى مزدحم، وتبقي الحديث نقاشا واحدا مشتركا لا ثلاثة أحاديث منفصلة.
ويساعد وجود مضيف لطيف، لا معلم، بل شخص يطرح السؤال الأول، ويفسح المجال لمن لم يتكلم، وينقل الحديث حين يستنفد موضوع ما. والأسئلة البسيطة هي الأفضل: أي لحظة فاجأتك؟ مع من تعاطفت؟ هل تنصح والدتك بقراءته، ولماذا لا؟
ومن المفيد أيضا أن يعرف الجميع موعد اللقاء التالي والكتاب التالي قبل أن يغادروا المقهى. فحين يخرج كل عضو وهو يعرف ما سيقرأ ومتى سيلتقي بالآخرين، تصبح الحلقة جزءا ثابتا من الشهر، لا خطة تحتاج إلى ترتيب من جديد في كل مرة.
ومن الحكمة اختيار الكتب باحترام لكل من على الطاولة. فالأعضاء يأتون من خلفيات مختلفة ويحملون معتقدات مختلفة، والحلقة تنجح حين يشعر الجميع بالراحة. وهناك كتب لا تحصى تثير نقاشا عميقا دون أن تحرج أحدا، من كلاسيكيات الأدب العربي إلى التاريخ وأدب الرحلات والسير الذاتية المكتوبة بإتقان.
ولا بأس أبدا ألا يكمل الجميع الكتاب. فلحلقة سلمى قاعدة: تعالي على أي حال. فمن قرأت نصف الكتاب لديها آراء، وأحيانا تكون أفضل النقاشات عن سبب توقف إحداهن عن القراءة.
حين يصبح الكتاب ذريعة
كثيرا ما يكون أهم جزء في حلقة القراءة هو نصف الساعة الأخير، بعد انتهاء مناقشة الكتاب. تذكر إحداهن وظيفة جديدة، وتبحث أخرى عن شقة وتسأل إن كانت إحداهن تعرف المعادي، ووالدة ثالثة مريضة، فتحرص المجموعة بهدوء على ألا تكون وحدها ذلك الشهر. الكتاب جمعهن، لكن الصداقة تعيش في هذه اللحظات.
ومع الوقت تبني الحلقة تاريخها الصغير: الرواية التي تجادلن فيها حتى أغلق المقهى، والأخرى التي أبكت اثنتين منهن، والديوان الذي لم تكمله أي منهن لكنهن ما زلن يقتبسن منه. هذه الذكريات المشتركة هي ما يجعل المجموعة تبدو لك، ولماذا يبقى مقعدك محفوظا حتى حين تغيبين شهرا.
أين تأتي ترو فريند
إن كنت تحب الكتب ولا تجد من تشاركه إياها، فإن ترو فريند تستطيع أن تساعدك في إيجاد أهلك من القراء. إنها منصة مجانية، للصداقة وحدها، لمن هم من عمر 18 عاما فأكثر، وهي مفتوحة الآن في القاهرة، وكذلك في دبي والرياض ومدينة الكويت. ترو، مساعدنا، يتعرف إلى ما تحب قراءته، وإلى المنطقة التي تناسبك من المدينة، وأوقات فراغك المعتادة، ثم يعرفك بعدد قليل من الأشخاص المتوافقين القريبين منك، مع أسباب احتمال انسجامكم. ولا تفتح المحادثة إلا حين يوافق كلاكما، وكل خطة تكون في مكان عام مثل مقهى أو مكتبة.
تجمع دائرة محبي الكتب من يفضلون الحديث عن رواية على الحديث عن الزحام، وتبقى دائرة قهوة وحديث للأسابيع بين كتاب وآخر. المجموعات صغيرة، من ثلاثة إلى عشرة أشخاص، فتعود الوجوه نفسها كل شهر، ويجد الحديث فرصة لينمو.
ما زالت سلمى تتذكر ذلك الصباح في ديوان، وكم كانت قريبة من أن تختار كتابا في صمت وتعود إلى البيت. وإن كنت تريد أصدقاء تشاركهم كتابك القادم، فـانضم إلى ترو فريند: لا يستغرق ذلك سوى دقيقة.
لا تكتف بالقراءة
انضم إلى دائرة من الناس في القاهرة يحبون ما تحبه. الأعضاء في ترو فريند يمكنهم الانضمام من التطبيق أو اقتراح خطة في أي محادثة.





