أفكار

أين يلتقي الناس في السالمية ومدينة الكويت وما بعدهما: صداقة على بعد 15 دقيقة من البيت

فريق ترو فريند · · قراءة 7 دقائق

في الكويت تقاس المسافة بدقائق الزحام. هكذا تحدد منطقتك من تلتقي، وهكذا تبني حياة اجتماعية قريبة من البيت بما يكفي لتتكرر اللقاءات أسبوعا بعد أسبوع.

نشأ يوسف في الجابرية، ودرس في الجامعة في المدينة، وقضى معظم العشرينيات من عمره مع المجموعة نفسها من الأصدقاء، وكلهم يسكنون على مسافة قصيرة بعضهم من بعض. ثم انتقل عمله جنوبا. استأجر شقة في المنقف حتى لا يقضي ساعتين كل يوم على طريق الفحيحيل السريع، وفي الأشهر الأولى بدا القرار معقولا. ظل أصدقاؤه أصدقاءه. ظلت لهم مجموعة محادثة، وظل لهم موعد ثابت مساء كل خميس في مقهى بالسالمية.

لكن الموعد أخذ يموت بهدوء. لا بخلاف، بل برسائل. «الزحام فظيع، ابدأوا من دوني.» «سآتي الأسبوع القادم.» «فات الوقت، الساعة صارت تسعة.» كل خميس كان يوسف ينظر إلى الخريطة في هاتفه، فيرى الخط الأحمر يمتد شمالا، فيبقى في البيت. وخلال سنة أدرك أنه يعرف جيرانه في البناية بالوجه، ولا يعرف أحدا في منطقته بالاسم، بينما أصدقاؤه الحقيقيون على بعد أربعين دقيقة في ليلة جيدة. لم يخسرهم. كل ما في الأمر أنه ابتعد عن متناول اللقاءات العادية المتكررة التي تعيش عليها الصداقة.

في الكويت تقاس المسافة بالدقائق

الكويت ليست بلدا كبيرا، وعلى الخريطة يبدو كل شيء قريبا تقريبا. لكن كل من يقود سيارته هنا يعرف أن الخريطة لا تقول القصة كلها. في الساعات الهادئة تعبر من السالمية إلى مدينة الكويت في مشوار قصير. وفي الخامسة من مساء يوم عمل، أو في مساء خميس مزدحم، قد تطول الرحلة نفسها على الدائري أكثر بكثير، ولا أحد يستطيع أن يعدك كم ستستغرق. المسافة في الكويت تقاس بدقائق الزحام، وهذه الدقائق تتغير مع الساعة.

ولهذا أثر مباشر في الصداقة. الخطة التي تحتاج إلى مشوار طويل عليها أن تنافس العمل والعائلة والتعب والطقس، وكثيرا ما تخسر. أما الخطة التي تبعد عشر دقائق فتصمد بعد يوم طويل. تصمد أمام اجتماع متأخر، وواجبات الأولاد، وتقلب المزاج المفاجئ. الصداقة تبنى على اللقاءات الصغيرة التي تتكرر مرة بعد مرة أكثر بكثير مما تبنى على الأمسيات الكبيرة، واللقاءات الصغيرة لا تتكرر إلا حين يكون الوصول إليها سهلا.

لذلك فإن سؤال «أين أكون صداقات؟» في الكويت كثيرا ما يكون جوابه الأول بسيطا: قريبا من المكان الذي أنت فيه أصلا. لا لأن الناس في الطرف الآخر من المدينة أقل إثارة للاهتمام، بل لأن القريبين منك هم من تستطيع أن تراهم فعلا كل أسبوع.

لكل منطقة إيقاعها

جزء من المهمة أن تتعلم ما تقدمه منطقتك. فلكل منطقة طابع مختلف، وكل منها تجعل أنواعا مختلفة من اللقاء سهلة.

السالمية مزدحمة ومتنوعة ومليئة بأماكن الجلوس. شارع سالم المبارك بمحلاته ومقاهيه، والواجهة البحرية على طريق الخليج، يمنحان الناس سببا للخروج مساء، ويعيش فيها سكان من بلدان كثيرة جنبا إلى جنب. ومن يسكنها لا تحتاج منه خطة مقهى أو مشية مسائية على البحر أي تنظيم تقريبا، وهذا بالضبط ما يجعلها قابلة للتكرار.

مدينة الكويت هي حيث يعمل كثيرون، ولذلك تتبع حياتها الاجتماعية يوم العمل. قهوة بعد الدوام قرب المكتب، ومشية في حديقة الشهيد، وأمسية في الشوارع القديمة حول السوق. ولمن يسكن في مكان آخر يكون وسط المدينة غالبا مكانا أنسب للقاء الزملاء بعد العمل مباشرة منه وجهة يعود إليها بالسيارة في نهاية الأسبوع.

حولي مكتظة ومركزية، فيها جالية كبيرة من سكان من أنحاء العالم العربي وخارجه، وكثير من المطاعم الصغيرة والمقاهي اليومية. قوتها أن أشياء كثيرة فيها على مسافة مشي أو مشوار قصير جدا، وهذا يجعل الخطة الأسبوعية واقعية حتى لمن لا يملك وقت فراغ كبيرا.

الجابرية ومشرف أهدأ وأكثر طابعا سكنيا، فيهما بيوت العائلات وحياة الحي التي تدور حول الجمعية التعاونية والمساجد والمدارس وممرات المشي الموجودة في مناطق كثيرة. الحياة الاجتماعية هنا تجري غالبا في البيت ومع العائلة. ومن كان جديدا في منطقة كهذه يجد غالبا أن ممر المشي والجمعية هما أول مكانين تبدأ فيهما الوجوه نفسها تصبح مألوفة.

المنقف والفحيحيل في الجنوب يسكنهما كثير من العائلات التي تعمل في الجوار، ومنها العاملون في القطاع النفطي حول الأحمدي. وللفحيحيل واجهتها البحرية ومجمعاتها الخاصة، ومنها مجمع الكوت على البحر، فلا يحتاج سكان الجنوب إلى القيادة شمالا لقضاء أمسية خارج البيت. وبالنسبة إلى يوسف تبين أن هذا أهم من أي شيء آخر.

لماذا يكسب الصديق القريب غالبا

لاحظ الباحثون في العلوم الاجتماعية منذ عقود أن الناس أكثر ميلا بكثير لمصادقة من يسكنون ويعملون بالقرب منهم، لمجرد أن طرقهم تتقاطع أكثر. يبدو هذا بديهيا، لكن نتائجه ليست كذلك. معظمنا يختار مكان سكنه بحسب الإيجار أو المدرسة أو المشوار إلى العمل، ثم يتوقع أن تبقى صداقاته حيث كانت. ومع الوقت تميل الحياة القريبة إلى أن تكسب.

وهناك سبب ثان. فدراسة كثيرا ما يستشهد بها، أجراها الباحث في علوم الاتصال جيفري هول في جامعة كانساس، أشارت إلى أن الانتقال من معرفة عابرة إلى صداقة خفيفة يحتاج إلى ساعات كثيرة معا، نحو خمسين ساعة، وإلى أكثر من ذلك بكثير لتصبح الصداقة قريبة. هذه الساعات لا تجمعها في عشاء واحد. تجمعها في مشيات وقهوات وأمسيات تظل تتكرر. وأسهل الساعات جمعا هي تلك التي لا تكلفك مشوارا طويلا قبلها وبعدها.

وهذا خبر جيد لا سيئ. معناه أنك لا تحتاج إلى تغيير كبير لتبني حياة اجتماعية. تحتاج إلى عدد قليل من الأشخاص على مسافة قصيرة، وإلى خطة بسيطة بما يكفي لتتكرر.

ارسم خريطة الخمس عشرة دقيقة

إليك تمرينا عمليا. افتح الخريطة وارسم دائرة تقريبية حول بيتك: كل ما تستطيع الوصول إليه في نحو خمس عشرة دقيقة في مساء يوم عمل عادي. لا في الثالثة فجرا، ولا في أهدأ يوم في السنة. مساء واقعي.

ثم انظر إلى ما بداخلها. حديقة أو ممر مشي. مقهيان أو ثلاثة تستطيع أن تجلس فيها ساعة دون أن ترفع صوتك. مجمع فيه زاوية هادئة. ملعب بادل، وناد رياضي، ومكتبة، ومركز للأنشطة. ستجد غالبا أكثر مما توقعت. فمعظم الناس في الكويت يعيشون داخل دائرة فيها كل ما تحتاجه مجموعة صغيرة.

والآن اختر خطة منتظمة واحدة داخل هذه الدائرة. مشية يوم الثلاثاء في الثامنة. قهوة صباح السبت. أمسية ألعاب لوحية كل أسبوعين في مقهى لا يمانع أن يطيل الناس الجلوس. المهم ليس أن تكون مثيرة. المهم أن تكون سهلة بما يكفي لتحدث حتى في أسبوع تكون فيه متعبا، لأن ذلك الأسبوع هو الذي يختبر ما إذا كانت الصداقة ستصمد.

واحتفظ بأصدقائك القدامى طبعا. فمن هم في الطرف الآخر من المدينة ما زالوا مهمين، وخطة شهرية معهم تستحق أن تحميها، ربما في يوم تكون فيه الطرق أرحم، أو في مكان في منتصف المسافة بينكم. لكن لا تجعل حياتك الاجتماعية كلها معلقة بمشاوير طويلة. ابن حياة قريبة وحياة بعيدة، ودع القريبة تحمل عبء الأسبوع.

عادات تجعل الصداقة القريبة أسهل

التقوا في أماكن عامة تناسب الجميع. المقاهي والحدائق والممشى والمجمعات أماكن طبيعية في الكويت، وهي تجعل لقاء أشخاص من خلفيات مختلفة، ولقاء المجموعات المختلطة، مريحا بطريقة هادئة ومحترمة. وأبقوا المجموعات صغيرة، من ثلاثة إلى عشرة أشخاص، حتى يكون هناك متسع للحديث ولا يضيع أحد.

اختاروا أماكن فيها مواقف سيارات سهلة، وخططوا بعيدا عن ساعات الذروة. فالخطة التي تبدأ في الثامنة بدل السادسة كثيرا ما تكون الفرق بين أمسية مريحة وساعة في الزحام. واتفقوا على وقت للانتهاء، حتى يستطيع من يبكر في الصباح أو لديه التزامات عائلية أن يوافق دون قلق.

وكن أنت من يوجه الدعوة المحددة. «لازم نلتقي يوما ما» نادرا ما تتحول إلى خطة. أما «المقهى نفسه، السبت الساعة العاشرة؟» فتتحول، خاصة حين يكون المقهى على بعد خمس دقائق من باب كل واحد.

بدأ يوسف صغيرا. انضم إلى مجموعة تمشي مساء الثلاثاء قرب الواجهة البحرية في الفحيحيل، ووجد مقهى في المنقف بدأ ثلاثة من تلك المشية يبقون فيه بعدها لشرب الشاي. وفي الشهر الثاني صارت لهم طاولة ثابتة. وفي الرابع عرفه أحدهم على مباراة بادل أسبوعية على بعد عشر دقائق من شقته. وما زال أصدقاؤه القدامى في السالمية يرونه مرة في الشهر، عصر جمعة تكون فيه الطرق هادئة، وتلك الأمسيات صارت أجمل من أي وقت مضى لأن أيا منها لم يعد يحمل ثقل الصداقة كلها. صارت له الآن حياة قريبة من البيت، وهي تتكرر.

أين تأتي ترو فريند

ترو فريند منصة صداقة بالدعوة فقط، للصداقة وحدها، لمن هم من عمر 18 عاما فأكثر، وهي مفتوحة الآن في مدينة الكويت. ترو، مساعدنا، يسألك إلى أي مدى يسعدك أن تتنقل ومتى تكون عادة متفرغا، ثم يعرفك بعدد قليل من الأشخاص المتوافقين القريبين منك، فتقع خططك داخل دائرة الخمس عشرة دقيقة الخاصة بك لا في الطرف الآخر من المدينة. ولا تفتح المحادثة إلا حين يوافق الطرفان، وتجري الخطط في مجموعات صغيرة وفي أماكن عامة. وتوجد دوائر مثل المشاة والعدائين، والقهوة والحديث، والألعاب اللوحية، لتمنحك الأشخاص أنفسهم أسبوعا بعد أسبوع، قريبا من البيت. وإن كان الزحام هو الغالب حتى الآن، فـاطلب دعوة وسنرسل إليك دعوة شخصية.

لا تكتف بالقراءة

انضم إلى دائرة من الناس في الكويت يحبون ما تحبه. الأعضاء في ترو فريند يمكنهم الانضمام من التطبيق أو اقتراح خطة في أي محادثة.

أحضر ترو فريند إلى مدينتك

نفتح المدن التي يطلبها عدد كاف من الناس. سنرسل لك رسالة واحدة فقط، يوم الافتتاح.