أفكار

المشي على كورنيش النيل والفلوكة مع الأصدقاء: لماذا يبني المشوار نفسه صداقة

فريق ترو فريند · · قراءة 6 دقائق

المشي مساء بجانب النيل من أبسط متع القاهرة. إليك لماذا يفعل تكرار المشوار نفسه مع المجموعة الصغيرة نفسها، ورحلة بالفلوكة على النهر بين حين وآخر، الكثير للصداقة.

كان النيل بالنسبة إلى سلمى شيئا تراه من نافذة السيارة. كانت تعبره مرتين في اليوم في طريقها إلى العمل والعودة منه، عالقة في الزحام فوق جسر في أغلب الأحيان، تنظر إلى هاتفها في أغلب الأحيان. كانت تعرف أنه جميل، لكنه كان موجودا فحسب، كما توجد السماء. لم تفكر فيه يوما على أنه مكان تذهب إليه.

تغير ذلك في يوم اثنين عادي، حين اقترحت صديقة جديدة من نادي القراءة أن يتركا المقهى ويمشيا بدلا منه. التقتا على الكورنيش قرب جاردن سيتي بعد الغروب بقليل، ومشتا شمالا نحو كوبري قصر النيل، والنهر داكن وعريض بجانبهما، وأضواء الزمالك وبرج القاهرة تلمع على الضفة الأخرى. تحدثتا طوال الطريق. وفي يوم الاثنين التالي مشتا من جديد، وجاءت هذه المرة صديقة ثالثة. وخلال شهرين صار لمشوار الاثنين خمسة رواد دائمين، ونقطة لقاء ثابتة، وعادة أن ينتهي بكوب شاي في طريق العودة. تقول سلمى الآن إن النهر علمها أن للقاهرة وجها أهدأ، إن مشيت بجانبه بما يكفي.

مدينة تعيش بجانب نهرها

وجدت القاهرة بسبب النيل، وما زال النهر يشكل طريقة تنفس المدينة. ففي المساء، خاصة حين ترتفع حرارة النهار، يمتلئ الكورنيش بالناس. العائلات تتنزه مع أطفالها، والأصدقاء يستندون إلى الحواجز، والباعة يبيعون الذرة المشوية والبطاطا الحلوة، والقوارب الصغيرة على الضفة مضاءة بسلاسل من الأنوار الملونة. وكثيرا ما يكون نسيم الماء أبرد هواء في المدينة.

يمتد الكورنيش لكيلومترات كثيرة، لكن بعض أجزائه محبوبة للمشي بشكل خاص. فالجزء الذي يمر بجاردن سيتي ووسط البلد يصل إلى كوبري قصر النيل وأسوده الحجرية الشهيرة عند طرفيه. وعلى الضفة الأخرى تقدم الجزيرة والزمالك ممراتهما وحدائقهما على النهر، وبرج القاهرة يرتفع فوق الأشجار. وإلى الجنوب يبدو كورنيش المعادي أهدأ وأكثر خضرة. ولكل جزء طابعه، ومن متعة المشوار الثابت أن تجد الجزء الذي يناسب مجموعتك.

لماذا المشوار نفسه كل أسبوع

قد يبدو أن الصداقة تحتاج إلى التنويع: أماكن جديدة، ومغامرات جديدة، وموضوعات جديدة للحديث. لكن العكس هو الصحيح في الغالب. فالأبحاث عن الصداقة تشير دائما إلى المكون البسيط نفسه: الأصدقاء يصنعون بالوقت المتكرر معا، في جو مريح لا يشعر فيه أحد بأنه يؤدي دورا. والمشي الأسبوعي على المسار نفسه يقدم ذلك بالضبط.

للتكرار أثر قوي هادئ. المشوار الأول مليء بالأحاديث العابرة لأن كل شيء جديد. وفي المشوار الرابع لا يحتاج أحد إلى التعليق على المنظر، فيذهب الحديث إلى مكان آخر. وفي العاشر يكون للمجموعة معالمها الخاصة: المقعد الذي أخبرت عنده إحداهن الجميع بوظيفتها الجديدة، وبائع الذرة الذي صار يلوح لهن، والنقطة التي يتوقفن عندها دائما لمشاهدة القوارب. تتراكم الذكريات المشتركة طبقة فوق طبقة، ومن هذه الطبقات تصنع الصداقة.

والمشي جنبا إلى جنب يساعد أيضا. فكثير من الناس يجدون الحديث عن شيء حقيقي أسهل وهم يمشون منه وهم جالسون وجها لوجه حول طاولة. العيون على النهر، والخطوات متناغمة، فتقول ما يهمك دون أن يحدق أحد في أحد. والصمت سهل كذلك، ففي المشي تبدو دقيقة بلا كلام طبيعية لا محرجة.

في أحد أيام الاثنين في الربيع الماضي، جاءت إحدى صديقات سلمى أهدأ من المعتاد. كان والدها مريضا، وقد قضت الأسبوع بين المستشفى والعمل. لم يضغط عليها أحد لتتكلم. مشوا ببساطة، أبطأ من المعتاد، وفي مكان ما قرب الجسر بدأت تحكي. وحين وصلوا إلى بائع الشاي كانت اثنتان من المجموعة قد عرضتا أن توصلاها إلى المستشفى في عطلة الأسبوع. تقول سلمى إن تلك الأمسية هي التي أدركت فيها أن المشوار صار أكثر من رياضة، صار المكان الذي تعتني فيه المجموعة بعضها ببعض.

النهر عبر الفصول

من المتع الهادئة للمشوار الأسبوعي أن تشاهد المدينة تتغير من حولك. في الأشهر الحارة ينبض الكورنيش بالحياة متأخرا، فتلتقي المجموعة بعد الغروب بوقت طويل حين يلطف الهواء أخيرا. وفي الشتاء تكون الأمسيات باردة وصافية، ويحضر الناس سترة خفيفة، وتظلم السماء مبكرا فوق الماء. وفي رمضان تكتسب الواجهة النهرية أجواء خاصة في الساعات التي تلي الإفطار، مزدحمة بالعائلات الخارجة للاستمتاع بالليل. والمجموعة التي تمشي معا عبر كل هذه الفصول تجد في النهاية عاما كاملا من الأمسيات المشتركة، وهذا التراكم الثابت هو بالضبط ما يحول المعارف إلى أصدقاء.

كيف يستمر المشوار

تعلمت مجموعة سلمى سريعا ما الذي يجعل المشي الأسبوعي يدوم. ثبتوا اليوم والموعد، ولا تتفاوضوا عليهما كل أسبوع. واختاروا نقطة لقاء واضحة يجدها الجميع، مثل أحد طرفي جسر أو مدخل فندق أو حديقة معروفة. واتفقوا على مسار تقريبي ومدة تقريبية، ساعة مثلا، ليستطيع الجميع ترتيب أمسياتهم حوله.

اجعلوه هادئا. فالمشي الأسبوعي ليس سباقا، وينبغي أن تناسب السرعة أبطأ الماشين. ومن يريد الجري يستطيع أن ينضم إلى مجموعة جري أيضا، أما مشوار الاثنين فهو للحديث. واجعلوا المجموعة صغيرة بما يكفي لتبقى معا على رصيف مزدحم، أي ثمانية أشخاص أو نحو ذلك على الأكثر، واجعلوا الحضور والغياب سهلين. فمن يغيب ثلاثة أسابيع ينبغي أن يشعر بالترحيب في الرابع.

واحرصوا على الراحة والأمان. في الأشهر الحارة امشوا بعد الغروب. وارتدوا أحذية مريحة، واحملوا الماء، واختاروا أجزاء مزدحمة وجيدة الإضاءة حيث توجد العائلات والماشون الآخرون. فالمشي في مجموعة أصدقاء مختلطة على الواجهة النهرية العامة مساء من أكثر المشاهد عادية في القاهرة، وهذه العادية جزء من سحره.

الفلوكة: تغيير الإيقاع بين حين وآخر

بين حين وآخر تستبدل مجموعة سلمى الرصيف بالماء. فالفلوكة، قارب النيل الشراعي الخشبي التقليدي، من أقدم مشاهد النهر، وما زال بالإمكان استئجار واحدة مع مراكبيها من المراسي على الكورنيش في أماكن مثل جاردن سيتي والمعادي. لا صوت لمحرك، بل صوت الماء وصرير الشراع والقارب يميل ببطء عبر التيار.

ساعة على الفلوكة وقت الغروب مناسبة صغيرة، من النوع الذي تفعله المجموعة للاحتفال بعيد ميلاد، أو للترحيب بقادم جديد، أو للاحتفاء ببساطة بأن المشاوير ما زالت مستمرة. يتسع القارب لمجموعة صغيرة براحة، وتبدو المدينة مختلفة تماما من وسط النهر، ويبطؤ الحديث ليناسب الريح. وإن ذهبتم، فاتفقوا مع المراكبي على مدة الرحلة وسعرها قبل الانطلاق، واختاروا مرسى معروفا توجد فيه مجموعات أخرى.

تنجح الفلوكة لأنها ليست المشوار المعتاد بالضبط. فالمسار الأسبوعي يبني الصداقة، ورحلة القارب العابرة تمنحها ذكرى يتحدث عنها الجميع شهورا.

وفي أول رحلة لمجموعة سلمى على الفلوكة، سكتت الريح فجأة في منتصف النهر، وظل القارب ساكنا بضع دقائق بينما يحاول المراكبي التقاط نسمة. ضحك الجميع، والتقطوا الصور، وتبادلوا الحكايات. وما زالت تلك الدقائق الساكنة من أكثر ما يتذكرونه.

الصور على ضفاف النهر

النيل عند الغسق من أكثر المناظر تصويرا في القاهرة، ولذلك سبب. جسور معلقة بالأضواء، وبرج القاهرة أمام سماء وردية، وفلايك بأشرعة بيضاء تعبر ماء ذهبيا. صار عدد من أفراد مجموعة سلمى يحضرون كاميرا أو يهتمون أكثر بهواتفهم، ويتوقف المشوار أحيانا خمس دقائق بينما يحاول الجميع التقاط الشراع نفسه. وصارت مشاركة أفضل الصور في مجموعة المحادثة بعد العودة جزءا من الطقس، طريقة صغيرة لإبقاء الأمسية مستمرة بعد أن يصل الجميع إلى بيوتهم.

وكالعادة، استأذن قبل تصوير الناس، خاصة العائلات والأطفال، واحترم من يفضل ألا يظهر في صورتك.

أين تأتي ترو فريند

صداقة المشي لا تحتاج لتبدأ إلا إلى شيء واحد: أشخاص تمشي معهم. وترو فريند تستطيع أن تساعدك في إيجادهم. إنها منصة صداقة مجانية، للصداقة وحدها، لمن هم من عمر 18 عاما فأكثر، وهي مفتوحة الآن في القاهرة. ترو، مساعدنا، يتعرف إلى ما تستمتع به، وإلى مكان سكنك وأوقات فراغك المعتادة، ثم يعرفك بعدد قليل من الأشخاص المتوافقين القريبين منك. ولا تفتح المحادثة إلا حين يوافق كلاكما، وكل خطة تكون في مكان عام، مثل الواجهة النهرية.

دائرة المشي والجري مصنوعة لمشاوير ثابتة مثل مشاوير سلمى يوم الاثنين، ودائرة الأنشطة الخارجية لمن يريدون فلوكة بين حين وآخر أو يوما خارج المدينة، ودائرة جولات التصوير تضيف الكاميرا إلى الأمسية. المجموعات صغيرة، من ثلاثة إلى عشرة أشخاص، فتعود الوجوه نفسها كل أسبوع ويجد المشوار وقتا ليتحول إلى صداقة.

ما زالت سلمى تعبر النيل مرتين في اليوم وسط الزحام. لكنها الآن، حين تنظر إلى الماء، تتذكر يوم الاثنين. وإن كنت تريد من يمشي معك على الكورنيش، فـانضم إلى ترو فريند: لا يستغرق ذلك سوى دقيقة.

لا تكتف بالقراءة

انضم إلى دائرة من الناس في القاهرة يحبون ما تحبه. الأعضاء في ترو فريند يمكنهم الانضمام من التطبيق أو اقتراح خطة في أي محادثة.

أحضر ترو فريند إلى مدينتك

نفتح المدن التي يطلبها عدد كاف من الناس. سنرسل لك رسالة واحدة فقط، يوم الافتتاح.