أجرت بريا الحساب ذات مساء أحد، نصفه على سبيل المزاح. تسعة ملايين إنسان في لندن. وربما أربعون منهم في هاتفها تستطيع أن تراسلهم دون حرج. ومن هؤلاء، ربما ستة رأتهم خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وكل لقاء منها رتب قبل أسابيع، وأجل مرتين، وحشر بين أمور أخرى. كانت في الرابعة والثلاثين، وتعيش في المدينة منذ اثني عشر عاما، ولم تكن تعيسة. كانت ببساطة، وبهدوء، تفتقد الأصدقاء.
لم يكن ما غير الأمور قرارا كبيرا، بل لعبة طاولة. ذكرت زميلة في مكتبها أن بضعة أشخاص يلتقون في أول خميس من كل شهر في مكتبة عامة بشمال لندن لأمسية ألعاب، وأنهم يحتاجون دائما إلى لاعب رابع في الألعاب الطويلة. ذهبت بريا وهي تنوي أن تكون مهذبة ثم تغادر مبكرا. لكنها بقيت حتى أغلقت المكتبة أبوابها، وخسرت خسارة فادحة في لعبة عن بناء السكك الحديدية، وضحكت أكثر مما ضحكت منذ أسابيع. ثم عادت في الشهر التالي، والذي بعده. وبعد عام، صار اثنان ممن جلسوا إلى تلك الطاولة من أول من تتصل بهم حين يكون لديها خبر سار أو حزين.
لماذا تصبح الصداقة أصعب
كل من عاش في لندن مدة يعرف حساب بريا جيدا. فالمدينة مزدحمة ونشيطة وتفيض بالحياة، ومع ذلك يشعر كثيرون فيها من سن 18 فأكثر بوحدة أكبر مما شعروا بها في الثانية والعشرين. وتجد الاستطلاعات بين سكان لندن بانتظام أن نسبة كبيرة منهم تشعر بأنها تفتقر إلى أصدقاء مقربين في الجوار، وهذا الشعور شائع بين من يعيشون هنا منذ سنوات بقدر ما هو شائع بين القادمين الجدد.
جزء من السبب يتعلق ببنية الحياة نفسها. فصداقات المدرسة والجامعة بنتها الظروف. كنا نرى الأشخاص أنفسهم كل يوم دون جهد، وكان القرب ينمو كأنه مصادفة. وبعد ذلك يختفي هذا الإطار. فالعمل يملأ الأسبوع، والعمل في لندن يأتي غالبا مع رحلة طويلة إليه. والأصدقاء ينتقلون إلى الأطراف بحثا عن مساحة أوسع، أو يغادرون المدينة كلها. وعطلات الأسبوع تمتلئ بالأسرة والمهام المنزلية والراحة التي تحتاجها وظيفة مرهقة.
وجزء آخر يتعلق بلندن نفسها. فللمدينة سمعة بنوع من التحفظ. الناس في قطار الأنفاق يلتزمون الصمت، والجيران قد يعيشون متجاورين سنوات لا يتبادلون أكثر من إيماءة، وهناك قاعدة غير مكتوبة قوية ضد التطفل. وهذا التحفظ ليس برودا، فمعظم أهل لندن ودودون حين يبدأ الحديث. لكنه يعني أن قليلا جدا من الصداقات يبدأ بالمصادفة. على أحد ما أن يبادر، وفي لندن ينتظر الجميع بأدب أن يبادر غيرهم.
فكر بزمن الرحلة لا بالمسافة
أنفع فكرة لتكوين الصداقات في لندن أن تفكر في الجغرافيا أولا. فالصداقة التي تتطلب ساعة وتغيير قطارين في شبكة الأنفاق ستتعثر مهما كان الود بينكما. أما الصداقة مع شخص على بعد عشرين دقيقة بالحافلة ففرصتها حقيقية، لأن اللقاء لا يكلف شيئا تقريبا.
يميل سكان لندن إلى قياس المسافة بزمن الرحلة لا بالأميال، وهذه الغريزة صحيحة حين يتعلق الأمر بالصداقة. انظر أولا إلى ما هو قريب منك. فإن كنت في شمال لندن، فهناك الهيث، ومسارات المشي على ضفاف القنوات، وبعض أجمل مكتبات المدينة. وفي شرقها تمنحك فيكتوريا بارك والأسواق أسبابا لا تنتهي للقاء. وفي جنوبها مساحاتها الخضراء الكبيرة وحدائقها، من كلابهام إلى كريستال بالاس. وفي غربها يبدو النهر في أجمل حالاته، وتمتد مساحات ريتشموند الواسعة. وأفضل الصداقات في المدينة الكبيرة كثيرا ما تكون القريبة من البيت.
التكرار أهم من الانسجام الفوري
يتخيل الناس غالبا أن الصداقة تبدأ بشرارة فورية. يحدث هذا أحيانا. لكنها في الغالب تنمو من التكرار: الوجه نفسه في المكان نفسه، أسبوعا بعد أسبوع، حتى يتحول الحديث المهذب إلى حديث حقيقي. ويعود الباحثون الذين يدرسون الصداقة إلى النتيجة نفسها مرة بعد مرة: التواصل المنتظم الهادئ عبر الزمن هو ما يحول المعارف إلى أصدقاء.
ولهذا نادرا ما تنتج مناسبة واحدة، مهما كانت ممتعة، صداقة دائمة، بينما تفعل ذلك كثيرا أمسية ألعاب شهرية، أو نقاش كتاب كل أسبوعين، أو نزهة سبت ثابتة. فإن أردت أن تكون صداقات في لندن، فابحث عن شيء يتكرر. ثم واظب على الحضور، حتى في الأسابيع التي تفضل فيها البقاء في البيت. فالشخص الحاضر في كل مرة يصبح جزءا من المجموعة من غير أن يلاحظ أحد تقريبا.
ليكن لديك سبب للحضور
أن تدخل غرفة مليئة بأشخاص غرباء من غير غاية سوى تكوين الصداقات أمر صعب على الجميع تقريبا. أما أن تدخلها لتلعب لعبة، أو تناقش كتابا، أو تتعلم شيئا، فذلك أسهل بكثير. فالنشاط يرفع الضغط عن الجميع، ويمنحهم ما يتحدثون عنه، وما تنشغل به أيديهم، وسببا طبيعيا للعودة.
ولندن غنية على نحو استثنائي بهذه الأسباب. فمكتباتها العامة تنظم مجموعات قراءة ومحاضرات وأمسيات ألعاب. والمتاحف الكبرى، من المتحف البريطاني إلى متحف فيكتوريا وألبرت، تفتح أبوابها في أمسيات خاصة وتقدم محاضرات مجانية. ولدى مركز ساوث بانك والمكتبة البريطانية مساحات يقرأ فيها الناس ويعملون ويلتقون طوال اليوم. وتستضيف الحدائق العامة مجموعات جري وحصص لياقة في الهواء الطلق وصباحات تطوع للعناية بالطبيعة. اختر ما يهمك حقا، لأن الحماس أسهل في الاستمرار من الواجب.
قل نعم، ثم تابع
عادتان صغيرتان تصنعان فرقا هائلا. الأولى أن تقول نعم. حين يذكر زميل نزهة أو محاضرة أو مسابقة أو معرضا، قل نعم أكثر مما يبدو لك طبيعيا. فمعظم الدعوات في لندن تقال عرضا وتنسى سريعا. ومن يكونون صداقات جديدة هم غالبا ببساطة من أخذوا تلك الدعوات العابرة على محمل الجد.
والعادة الثانية هي المتابعة، وهي أهم في مدينة الجميع فيها مشغولون. بعد حديث جميل، أرسل رسالة قصيرة في اليوم التالي. واقترح لقاء ثانيا بوقت ومكان محددين بدلا من الوعد اللندني الشهير «لا بد أن نكرر هذا يوما ما». فهذا الوعد لا يتحقق تقريبا أبدا. أما رسالة تقول «سأمشي حول ريجنتس بارك يوم السبت في العاشرة، هل تحب أن تأتي؟» فتلقى عادة جوابا حقيقيا.
المجموعات الصغيرة أسهل من الكبيرة
قد تكون التجمعات الكبيرة مرهقة، خاصة لمن يميلون إلى الهدوء. ففي حشد من أربعين شخصا يبقى الحديث سطحيا، ومن السهل أن تغادر دون أن تكون قد تحدثت فعلا مع أحد. أما المجموعات الصغيرة من ثلاثة إلى عشرة أشخاص فمختلفة. فالجميع يحصل على فرصة للحديث، والهادئون يلاحظون ويشركون، ومن الأسهل أن تتذكر من قال ماذا، وأن تكمل الحديث في المرة القادمة. وطاولة بريا تنجح لهذا السبب تحديدا: فهم لا يزيدون أبدا على ستة، ولا أحد يستطيع أن يختبئ.
الراحة والسلامة
ينبغي أن يكون تكوين صداقات جديدة تجربة مريحة دائما. التق في أماكن عامة مزدحمة كالمقاهي المعروفة والحدائق والمكتبات والمتاحف، خاصة في المرات الأولى. واجعل الخطط في النهار وأول المساء. أخبر أحدا إلى أين أنت ذاهب، وخطط لطريق عودتك بنفسك حتى تستطيع المغادرة متى شئت، ولا تشارك مالا أو تفاصيل شخصية حساسة مع شخص تعرفت إليه للتو.
الصداقات الجيدة تحترم الحدود. فمن يلح بسرعة في طلب تفاصيل شخصية، أو لقاءات خاصة، أو مال، لا يتصرف كصديق. الثقة تنمو مع الوقت، ولا بأس أبدا في أن تتركها تنمو ببطء.
أين تأتي ترو فريند
أصعب ما في تكوين الصداقات في لندن غالبا هو الخطوة الأولى نفسها: أن تجد بضعة أشخاص قريبين منك يشاركونك اهتماماتك ويكونون متفرغين في الوقت نفسه. وهنا تستطيع ترو فريند أن تساعد. إنها منصة بالدعوة للصداقة وحدها، لمن هم من سن 18 فأكثر، وهي مفتوحة الآن في لندن. يتعرف ترو، مساعدنا، إلى ما تستمتع به، وأين تسكن، ومتى تكون متفرغا عادة، ثم يعرفك بعدد قليل من الأشخاص المتوافقين القريبين منك، مع الأسباب التي قد تجعلكم تنسجمون. ولا تفتح المحادثة إلا حين يوافق الطرفان، وكل خطة تكون في مكان عام.
دائرة قهوة وحديث تناسب طاولة منتظمة بعد العمل، ودائرة محبو الكتب تجمع القراء ليتحدثوا عما يقرؤون، ودائرة ألعاب الطاولة والمسابقات صممت لمن يجدون، مثل بريا، أن اللعبة أسهل طريق لبدء الحديث. والمجموعات صغيرة، من ثلاثة إلى عشرة أشخاص، فترى الوجوه نفسها مرة أخرى، ويكون للقاء الأول فرصة حقيقية لأن يصبح صداقة.
ما زالت بريا تذهب إلى المكتبة في أول خميس من كل شهر. وهي اليوم من تحضر لعبة جديدة وتشرح قواعدها لمن جاء أول مرة. وإن كنت تريد بضعة أصدقاء طيبين في لندن، فـاطلب دعوة وسنرسل إليك دعوة شخصية.
لا تكتف بالقراءة
انضم إلى دائرة من الناس في لندن يحبون ما تحبه. الأعضاء في ترو فريند يمكنهم الانضمام من التطبيق أو اقتراح خطة في أي محادثة.
قهوة وحديثدائرة صداقة لمن يحبون المقاهي والأحاديث الهادئة في لندن. لقاءات أولى مريحة في مجموعات صغيرة وقريبة من البيت.
محبو الكتبدائرة صداقة للقراء في لندن: تحدثوا عن الكتب وتبادلوا الترشيحات وزوروا المكتبات ومحلات الكتب ومهرجانات الكتاب معا.
ألعاب الطاولة والمسابقاتدائرة صداقة لألعاب الطاولة والورق وأمسيات المسابقات في لندن. تعرف على أشخاص لمنافسة ودية وحديث سهل.

